ما إن تفتح رواية “المشاءة” لسمر يزبك، حتى تستقبلك رسامة وكاتبة تدعوك إلى كواكبها السرية، بعد أن تستدرجك بتعويذتها السحرية، أن تسحبَ ورقة بيضاء بنعومة، “كما لو أنك تلامس شريانًا في قلبك”، وتضعها على سطح قاسٍ، كما تفعل هي حين تقلب صينية القهوة، وتحوّلها إلى سطح مكتب، ثم تمسك بقلم أزرق، وتلعب مع الكلمات، حتى تغيب من التعب.

تعويذة تستخدمها المبدعة الصغيرة لتقاوم الخوف الذي يسكن قلبها، وهي تقبع وحيدة ومقيّدة في قبو مهجور، وحي مدمر غادره سكانه، وتطلب منك أن تكون شاهدًا على موتها البطئ، بعد أنت تعبر معها على حواجز التفتيش، وتحت قذائف الطائرات، وتتنقل من سجون النظام إلى المناطق المحاصرة في دمشق التي أرادها طغاة العالم أن تكون عبرة للشعوب الثائرة.

المبدعة الصغيرة هي بطلة الرواية وصوتها الوحيد، وُلدت مختلفة عن البشر، تقودها قدماها لا عقلها، فتمشي ولا تستطيع التوقف، ولهذا عاشت حياتها بيد مربوطة بحبل إلى النافذة أو إلى يد من يرعاها. لسانها معقود، لكنها أحيانا تقدر على الصراخ، وأحيانا تنطلق بترتيل لا إرادي لآياتٍ قرآنية، تنتزع به إعجاب من حولها على الرغم من أنهم يعتبرونها مجنونة. يتيمة الأب ولم تدخل المدارس مثل باقي الصغيرات، لكنها قرأت كل ما وصل إليها من كتب، وهي تختبئ في المكتبة عند الست سعاد، ريثما تنتهي والدتها من تنظيف مبنى المدرسة ودورات المياه.

شخصية آسرة بضعفها، وبتكوينها النفسي القائم على المتضادات، تقع بين رجاحة العقل وتهويمات اللامعقول، أنتجها الفقر بمختلف دلالاته الاجتماعية والسياسية، تستقبل بوعيها الطفولي المشتت علامات أنوثتها الأولى، وأحداث ثورة قلبت الحياة في بلدها سوريا، وتحاول إعادة ترتيب المفردات الجديدة بلغتها الخاصة، لتفهم ما يحدث لها ومن حولها، وهي مقيدة على عتبات الموت.

شخصية من حروف وألوان، تبدو حقيقية ومنسجمة مع ذاتها، ونشأتها في كل ما تقول وتفعل، هي أولى علامات “المشاءة” الفارقة، التي أهدتها المؤلفة سمر “إلى رزان زيتونة في غيابها المر” وأرادت لها أن لا تقوم على تداخل الأجناس الأدبية، بل أن تؤسس حضورها الخاص في فضاء الرواية، وفي سياق قواعدها الضابطة على مستويي التشكيل والأداء.

تبدأ الرواية من مشهد النهاية، وتعتمد تقنية الترجيع والتداعي لبناء الحبكة، وسبك التفاصيل في فضاء متصل، ومكون من أربعة خطوط متداخلة، تسميها الراوية كواكبها السرية. الأول تحت السرير، حيث كانت تحشر نفسها وترسم حكاياتها، وكانت ألوانها تكفيها لصوغ معاني الحياة، وهنا ابتدعت أبجديتها الخاصة برموز ملونة.

كوكبها الثاني كان مكتبة المدرسة، بعد أن يُغلق بابها، وتغدو بعينيها مسرحًا يغص بالكائنات التي تنسل من الكتب والرفوف، وهنا علّمتها سعاد القراءة والكتابة، فدخلتْ مجاز اللغة. صادقتْ “الأمير الصغير”، و”أليس في بلاد العجائب”، وأُعجبت بالثعالبي: “أديب عاش قبل ألف عام تقريبا، أحببتُ اسمه، وتخيلته يمشي مع ثعلب أحمر”، ومن كتابه تعلمتْ أن: “كل ما علاكَ وأظلّكَ فهو سماء”، وعلى مقولته هذه بنتْ سماواتها ومسرّاتها، وهي أسيرة الجدران والقيود، تدور حول ذاتها.

كان ذلك قبل أن يواجهها الحدث الانقلابي، ويخرجها عنّوة من هذين الكوكبيّن، حين ذهبت مع أمها لزيارة الست سعاد. الدرب القصيرة تطاولت جدا مع قيظ آب، والانتظار على مفارز الأمن، وهناك شاهدت الضابط يُنزل شابا من السرفيس ويضربه، فاضطربت وأصدرت صيحة لا إرادية، تبولت في ثيابها، وانفك قيد يدها، وانطلقت تمشي غير آبه بالأوامر العسكرية أن تقف، إلى أن قُتلت أمها برصاصة، واستقرت أخرى في كتفها، واقتيدت إلى مشفى السجن، وهناك عرفت معنى الخوف، وهي تبصر من شقوق النافذة كيف يجري تعذيب الجرحى، الخوف الذي “يبني لك أفخاخًا في جسدك، ويبقى داخلك مثل دائرة تصل بين القدمين وعضلة القلب” وكان في حالتها يتسرب من بين ساقيها على شكل سائل حار.

من مشفى السجن أخرجها أخوها الوحيد، ونقلها من المنطقة التي يسمعون فيها صوت القذائف، إلى منطقة سقوطها فوق رؤوس المدنيين، حيث بدأ عقلها أو “كوكب الطين” كما تسميه، دورته بترجمة مفردات العالم الجديد في بيت للنازحين بحي زملكا المحاصرة، سوف يختزل لها معنى الثورة بأنها “السبب الذي يجعل الطائرات تقصفنا بالبراميل” (94).

في زملكا تلتقي بأم سعيد، المرأة التي مات زوجها في المعتقل والتحق أولادها بالثورة، وبالطفل عامر الذي يرعاه عمه بعد اختفاء جميع أقاربه، وبالطفلة رشا التي سيزفها والدها إلى أحد المقاتلين رغما عن اعتراض أمها، وسوف تكون المشاءة راضية، وهي تعلّم الأطفال الرسم، وترتّل القرآن، وتتلصص على صديق أخيها، المصور حسن، قبل أن تسقط القذائف في صحن الدار، وتتحول أم سعيد إلى “تمثال نصفي بلا ساقين”.

تنتقل الصغيرة إلى دوما، وتستقبلها روائح كريهة، تودي بحياة أخيها، وتكاد أن تقتلها لولا حسن الذي حملها، ونقلها إلى المشفى الميداني في عربين. كانت الغرفة واسعة، أرضها مليئة بجثث نساء محجبات وملتفات بالثياب، وكان منقذها يصرخ، ويتهم الفريق الطبي بموتهنّ، وسوف يشرح لها لاحقًا: “أن الطائرات ألقت غازات سامة، تتغلغل في الثياب، ويجب أن يخلع المصاب ثيابه حتى لا يموت، لكن الرجال قالوا حرام أن تنكشف النساء”.

السرد الرشيق يأتي بضمير المتكلم، وفي لغته تختلط الوقائع بالأحلام والحكايات، الحكمة بالبراءة والتهيؤات، وتنسكب في صياغات شعرية ناعمة، تنسجم وروح شهرزاد الصغيرة التي تحاول أن تنتصر على قدرها الأحمق بالفن، وتقارب مفرداته العنيفة بمعاني الكتب والشخصيات التي فتنتها، وهذا يجعل الرواية تشبه لوحة انطباعية، مشغولة بأسلوب الواقعية السحرية: “الموت ورقة بيضاء، تتحول إلى الأسود عبر تتابع بضعة ألوان مائية من درجات الأسود، ثم تعود بيضاء خلال ثوان”.

تنتصر المشاءة على موتها بالكيماوي، وتفتح عينيها على وجه حسن، وهو يمسح شعرها ووجهها بأصابعه، في قبو يجمعها بأس لم تعرفهم من قبل، ثم تغفو وتصحو، لتجد نفسها وحيدة ومقيّدة في “كوكب القبو”، كوكب العطش والجوع والغبار والحشرات التي تجعل جلدها الغض يكتسي بالبثور الحارقة، لكنها تصر على أن تجعله كوكب العشق والكتابة وانتظار حبيبها الذي أغلق الباب عليها، ووعدها أن يعود، لكنه اختفى كجميع من أحبتهم: “لا أفهم لماذا تتداخل المعاني فيّ عندما تحضر حكاية حسن، أظن أني أفكر فيه دائمًا، وهو يتحرك تحت جلدي مثل الدم”.

تهامة الجندي

جيرون 21 شباط 2017 الرابط

الكتاب: “المشاءة”، رواية في 206ص، المؤلف: سمر يزبك، الناشر: دار الآداب، بيروت/2017

Advertisements