“اليوم أتممت الأربعين، تقول السيدة التي بدأتُ العمل عندها قبل أشهر، والتي تكبرني بعشر سنوات، إنني ما زلت صبية، لا بل باستطاعتي الإنجاب وبناء أسرة جديدة، هي لا تعرف أن من هم مثلي لديهم حياة واحدة لا أكثر، ولديهم حظ واحد ونهاية واحدة. كل الأحلام التي حملتها معي يوم هاجرت من بلادي، بددتها مساحيق التنظيف والجلي ومسح الزجاج… لي حياة واحدة لا خيار لي فيها، وأنا لا أريد الكثير أصلا، وأشكر ربي كل يوم على أن الحياة لم تكن قاسية معي إلى الحد الذي كانته مع كثيرات مثلي ممن اغتُصبن وأُحرقن وشُوهّن وانتهى بعضهنّ منتحرات”.

صورة جارحة ترسمها كلمات السيدة كوماري، وهي تغلق الدائرة على حياة قضتها في خدمة الأثرياء… صورة تجبرنا ان ننحني أمام هشاشة تفيض بالكبرياء والتسامح، ونخجل من عالم، لم يعطها القليل الذي حلمت به، مع أنها منحت كل ما تملك من شباب وجهد وصحة، وصفحات سيرتها بما تنضوي عليه من تفاصيل الإذلال والقهر، تستدرج إلى المقدمة عبارة ميلان كوندرا: “إنسانية المرء تنكشف عبر علاقته بمن هم تحت رحمته”.

سيرة العوز والحاجات الناقصة، صاغها حازم صاغيّة في كتابه “أنا كوماري من سريلانكا” نقلا عن صاحبتها، وفي الاختيار وتحويل شخصية هامشية إلى بطلة كتاب، نلمس حسا إنسانيا مرهفا، وأمداء اجتماعية على غاية من الأهمية، فالسيرة بخطوطها العامة، تتقاطع مع سير كل الفقراء، ممن يشكلون أربعة أخماس سكان المعمورة، وهي بذلك ليست سيرة ذاتية وحسب، بقدر ما هي علامات التفاوت الاجتماعي المرّعب، عدم تكافؤ الفرص بين البشر، وفجوات التنمية بين الدول، ظواهر خطيرة، باتت تثقل كاهل حضارة أول عناوينها المساواة وحقوق الإنسان…؟!

يبني صاغية السيرة على شكل تحقيق مطوّل، من دون أن يلجأ لصلاحياته كمؤلف وسارد عليم، بل يترك كوماري تسرد مأساتها بضمير المتكلم، تأكيدا على الحضور بمعناه المادي والمعنوي، يستخدم المفردات القريبة من الحياة، والصياغات البسيطة التي تخص كوماري وحدها، فيغدو النص سلسا، أقرب إلى شهادة حية، لا تهز القارئ ببلاغة اللغة، بل بعمق المفارقة وبلاغة الشقاء…

مثل كتب الرحلات، تنقلنا السيرة من مسقط رأس كوماري، إلى كولومبو، الكويت، القاهرة، بيروت… تصف الأماكن والمشاعر، تقف عند أنماط العيش، طبائع البشر، مستويات الرفاه، وأوجه الاختلاف والتشابه… ومن قلب هذا الرصد الآتي من جماليات الفطرة والثقافة الشفوية، تولد متعة القراءة، لكن المؤلم في التجربة، أنها لا تنبع من إرادة حرّة، يبعثها حب المغامرة والاطلاع، بل تنبع من ضغط الضرورة المستبد، الذي يأخذ صاحب الحاجة، أنّى يريد، بلا أدنى حد من الضمانات والحقوق، حيث تكثر المفاجآت والمصادفات غير السارة، وتهبط خيبات الأمل وصنوف العذاب… هي تجربة من نوع خاص، لا تفتح فضاء المدن، بل تفتح القاع، تدخل الأبواب الخلفية للمباني الفخمة، وتكشف رياء المظاهر وزيف تديّن وكرم الأثرياء.

تبدأ سيرة كوماري من ظروف نشأتها والبيئة الاجتماعية التي ترعرعت في ظلها، من ميلادها عام 1971 في قرية ماتيلي قرب مدينة كاندي وسط سريلانكا، حيث تتقاسم القرية إثنيتا السنهال والتاميل، ويتعايش البوذيون والهندوس والمسلمون والمسيحيون، ولكل ديانة مركز عبادة خاص بها. البوذيون أكثر تعدادا، والمسلمون أغنى، ومعروفون ببشرتهم الفاتحة وعيونهم الملونة، رمز الجمال في المنطقة، وتقول كوماري: “لم ألاحظ في صغري الناس يتحدثون في الدين على النحو الذي صاروه لاحقا، كذلك لم يكن الخوف سلعة يتبادلونها في ما بين أديانهم وطوائفهم، ذلك أن الكل فقراء، والكل متشابهون في جوانب أساسية عديدة من حياتهم”

السنهال هم الإثنية الأقوى في سيرلانكا، ولغتهم هي اللغة الرسمية في البلاد، وجميع السكان عاشوا محنة السبعينات، حين كان النظام القائم يمنع الاستيراد، ويقنن بيع المواد الغذائية، حتى شارف الفقراء على مقاربة خط الجوع، وفي ماتيلي لم تصل الكهرباء، والناس يمضون الليالي على ضوء القنديل الخافت.

رغم تعايش المشارب المتعددة فإن المجتمع السريلانكي ذكوري، لا يسمح للفتاة بالإفصاح عن مشاعرها، أو خوض تجربة عاطفية، وفي كل الأحوال “كانت قصص الحب التي تحدث بين تاميل وسنهال، أو بين  أفراد من ديانات مختلفة، تغضب أهل الطرفين، وإن كانوا لا يقدمون على قتل العشيقين إلا نادرا، وكثيرا ما كان العشاق يتزوجون خطيفة، ثم  يختفون عن الأنظار، وبعض العرسان كانوا ينتحرون، لعجزهم عن تذليل غضب الأهل” الشيء نفسه يحدث في الزيجات التي تخرق الفارق الطبقي بين الأغنياء والفقراء.

كوماري تنحدر من التاميل، ومن عائلة مسيحية كاثوليكية، لا يجمعها شيء بجماعة “نمور التاميل” الذين ينحصرون في جافا، شمال سيرلانكا، وينصبون العداء لمن لم ينضم إليهم من التاميل. جد العائلة فاتح اللون مثل المسلمين، كان يعمل مراقبا على شغيلة المطاط، وكان الوحيد من يملك راديو في القرية، وفي بيت الجد تعيش كوماري وأختها وأشقائها الثلاثة، بعد أن انفصلت أمها سناما، وهي في الثلاثين، عن الأب، عامل الباطون، بسبب إدمانه ومعاملته السيئة لها، وراحت تعمل في زرع الشاي وتعبئته، لتعيل أبنائها الذين بالكاد يعرفون والدهم.

في العاشرة من عمرها دخلت كوماري مدرسة القرية الوحيدة، تعلمت اللغة التاميلية، قليلا من الإنكليزية، وأوليات الخياطة والصلاة، كانت المدرسة مختلطة، والفقراء مثلها يتأخرون في دخولها، كان الأستاذ هندوسي، يؤكد لهم “الجميع أخوة في الوطن، لا يفرقهم أي اعتبار آخر”، أحبت كوماري الدراسة، وصار لديها صديقات، لكن أمها أجبرتها بعد ثماني سنوات على ترك المدرسة، والالتحاق بسوق العمل بسبب ضيق الحال، عملت كوماري في زرع الشاي، ثم لدى امرأة سنهالية غنية، بوذية، تعيش وحدها في حي ناء، أولادها الثمانية متعلمون، يعيشون ويعملون في العاصمة كولومبو.

في تلك الآونة تصف كوماري نفسها بالكسولة والجاهلة في أمور كثيرة، من ضمنها الحب والعالم الذي يحيط بها، صفات إلى جانب الفقر المدّقع، تجعل أي فتاة في العشرين، تقع ضحية الخداع والابتزاز، وقتها اقترح عليها أحد أقاربها، الذي يعمل في مكتب سفريات، أن يؤمن لها عملا في الكويت لقاء مبلغ من المال، وافقت هي، ودفعت أمها المبلغ، ولم يكن في القرار أي خطأ، فليس من العار أن تخدم الفقيرة في بيوت الآخرين، لتكسب عيشها، العار الحقيقي سوف ينكشف في أشكال الفساد والعبودية المقنّعة، التي تعرّضت لها، بوصفها واحدة من شريحة العمالة الأجنبية الرخيصة.

في المطار لم يكن لديها أدنى  فكرة عن المكان الذي سوف تقصده، وحين أعطاها القريب جواز سفرها، اكتشفت أنه يحمل صورة امرأة أخرى في الثلاثين، تدعى رويسي، ومع ذلك سافرت، على الأرجح هي الرشى التي دُفعت مسبقا، لكن منذ تلك اللحظة كان الشرخ العميق، قد بدأ يشق طريقه إلى حياة كوماري، ويفقدها خصوصياتها وهويتها الأنثوية والإنسانية على حد السواء.

في الكويت تدخل فيلا الكفيل السوري وزوجته الكويتية، وعليها أن تناديهما بالبابا والماما، لديهم ثلاثة أولاد، ولديها غرفة جميلة بجهاز تكييف وراديو، تعطيها السيدة حقيبة ثياب، جهزتها قبل أن تراها، وتطلب منها أن ترمي حقيبتها، وتستحم على الفور… لا تعرف اللغة، لا يُسمح لها بالخروج من المنزل، لا تستسيغ مذاق الأطعمة، وعليها أن تأكل وحيدة في المطبخ، وهم يأكلون على الأرض في الصالون، عند السادسة صباحا تغسل سيارة رب البيت، حيث يجتمع السريلانكيون ليغسلوا سيارات أهل الحي الكويتيين، وبعد شهرين تكتشف السيدة أن كوماري ليست المرأة في جواز السفر، وصاحب مكتب الخدم يضربها بالعصا على رؤوس أصابعها، حتى تعترف من تكون، ولا تتقاضى راتبها البالغ ثلاثين دينارا للشهر الرابع، ثم يتهمونها بالسرقة، فتغادر إلى فيلا البابا الكويتي والماما الإيرانية، التي تأخذها عند حلاق، يثبتها على الكرسي، ويقص شعرها الطويل بضربة واحدة، تهين أنوثتها وأعراف بلدها، وبعد سنة وثلاثة أشهر يعطوها لسيدة مصرية، من حسن حظها أنها كانت امرأة طيبة، تدعها تأكل معها على مائدة واحدة، ولا تقفل عليها الباب، وتنتقل برفقتها إلى القاهرة.

من القاهرة تعود كوماري إلى مسقط رأسها بسبب مرض أمها، وهناك تلتقي بالسائق السنهالي رانجي، يتحابان ويتزوجان، وتنجب ابنتها سومودو، قبل أن تكتشف أنه متزوج من بوذية ولديه طفلة، على إثرها تسوء العلاقة بينهما حد تعرضها للضرب، وتطلب الطلاق، تغادر هذه المرة إلى لبنان كي تعيل طفلتها التي ترعاها الجدة.

في مطار بيروت، كما في الكويت، تُحّقن كوماري ككل الخدم الأجانب بإبرة، لم يفسّر لها أحد ما هي، وأية جرثومة تكافح، وفي فيلا القاضي اللبناني، الذي يُفترض به أن يمثّل ميزان العدل، تمر كوماري بأقسى تجاربها مع والدته، دون أن يتدخل، تقول: “دلّتني الأمّ، كما لو أنّ أنفها مليء بروائح كريهة، إلى غرفتي التي كانت باردة جدّاً، وكنّا يومها في تشرين الأوّل. وما لبثت أن حضّرت لنفسها فنجان شاي، كنت أتلهّف إلى مثله، ثمّ جمعتْ ثفالة الشاي، وصبّت عليها ماء فاتراً وملعقة سكّر، وأعطتني إيّاها كي أشربها… الأمّ كانت في الثانية والسبعين، أُجريت لها عمليّة سرطان، استؤصل بنتيجتها أحد نهديها. لكنّها كانت تتصرّف معي كما لو أنّني أنا من تسبّب لها بذاك السرطان… كانت تتفنن بتعذيبي”.

تبدأ معاناة كوماري من تجاهل اسمها، الجميع يناديها (ماهي) لسبب تجهله، ويتفاقم عذابها بتجويعها المستمر، بإذلالها المتعمّد، بأن تنظف المراحيض بيدها لا بالعصا مثلا، بعزلها في غرفة لا تتعدّى الثلاثة أمتار بمترين، هي كاراج في الطابق السفليّ، ملحَقٌ بها حمّام ضيق، وفيها نافذة بالغة الصغر تطلّ على الخارج، يُقفل بابها ويفتح مركزيّاً عبر زرّ كهربائيّ، تتحكم فيه العجوز، غرفة باردة، ليس فيها أيّة تدفئة غير بطانيّة ممزّقة، وحين تريد الاستحمام لا يُؤذن لها إلاّ بسطل ماء فاتر، يبرد قبل أن تنقله من الطابق العلوي، شروط قاسية جعلت التكلّس يجتاح عنقها ويديّها، وجعلتها تخشى الجنون، وتبكي طوال الوقت أمام صورة يسوع، قبل أن تُضرب عن الطعام، وتُساق إلى المخّفر، ثم تهرب من فيلا القاضي، وفي جيبها ثلاثون دولارا فقط.

على هذا المنوال قضت كوماري عشرين عاما في خدمة أسيادها الكثر، وفي كل مكان كانت تعيش بعيدة عن روحها وجسدها ومن تحب، كانت تجد من ينتهك إنسانيتها، ويسرق دخلها الصغير، ليس فقط الأثرياء الغرباء، بل أترابها أيضا، وأبناء جلدتها في سياق عُرّف تواطؤ الضحايا مع الجلاد، حتى أضاعت ذاتها، وأضحت لا تميز معنى الإهانة أو الألم،  ولا تملك أدنى تصوّر عما تحب أن تكون، كل ذلك لا يعود لعيب في شخصها أو إدراكها، لكنها لعنة الفاقة التي لازمتها منذ الصغر، الفاقة التي تجعل البشر ضعفاء، مستلبين، يمضون في دروب مسدودة بلا حقوق أو امتيازات، لأن القانون لقنهم الدرّس جيدا، إنه يعمل فقط لخدمة رأس المال.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 23 حزيران 2013 الرابط

“انا كوماري من سريلانكا”، تحقيق مطول في 93 صفحة من القطع المتوسط. المؤلف: حازم صاغيّة. الناشر: دار الساقي، بيروت 2013.

 

 

 

Advertisements