على الرغم من البرد القارص الذي يجثم على صدر صوفيا، لم أتردد في الذهاب إلى صالة “بيت السينما”، بعد أن قرأت، أنها ستعرض الفيلم الوثائقي، الفلسطيني-الإسرائيلي “سجل أنا عربي”. العنوان يأخذ مطلع أولى قصائد محمود درويش، التي يعرفها جيلي جيدا، وبها تغنى في شبابه والحماسة تملئ قلبه وعينيه. لكني لم أفهم ما الذي يجعل الممّول الإسرائيلي يشترك في إنتاجه؟ وكنت أتساءل وأنا أبحث عن الصالة، هل سأجد أي من البلغار، يشاطرني الاهتمام بشاعر المقاومة والحنين؟ الذي لا يزال الأثير لدى قراء العربية، حتى بعد رحيله بست سنوات.

دخلت “دار السينما”، وفوجئت بالإقبال الكبير، ولم يقتصر الجمهور على الفلسطينيين والجالية العربية، كان بينهم عدد كبير من البلغار، منهم الإعلاميين والمسّتعربين، وكان الفيلم يُعرض في إطار مهرجان “مينار” السنوي لأفلام الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقبل بدء العرض تحدثت المستعّربة البلغارية مايا تسونفا عن علاقتها بقصائد محمود درويش، ثم قرأت إحدى نصوصه، التي ترّجمتها خصيصا للمناسبة.

بدأ الفيلم، ولم يكن محمود درويش هو سيد الشاشة، كان قصة الحب العاصف الذي اخترق قدر امرأتين، سوف تتقاسمان دور البطولة، وتتناوبان على سرد التفاصيل باللغتين العبرية والإنكليزية: السيدة اليهودية تمارى بن عامي، ثم السيدة السورية رنا القباني، وإذا كانت علاقة رنا بمحمود معروفة للكثيرين، فكلنا لا يزال يتساءل عن سر ريتا، صاحبة العيون العسلية، التي يسكنها الإله؟.

لم تكن تمارى تشبه سحرها الاسطوري في قصائد درويش، كانت امرأة في الثامنة والستين من عمرها، تدير مشاريعها الفنية ما بين تل أبيب وبرلين، وُلدت في حيفا من أب روسي وأم بولندية، كانا من أنصار “الحزب الشيوعي الإسرائيلي”. لكن المرأة المتقدّمة بالسن، ما إن فتحت صندوق أسرارها بعد نصف قرن، أمام عدسة التصوير، وأخرجت رسائل محمود، وصور شبابها بالأبيض والأسود، حتى بدت في عام 1960 أجمل من كل كلمات الغزل. كانت في ربيعها السابع عشر، راقصة ومنّشدة في فرقة “الشبيبة الشيوعية الإسرائيلية”، حين قدّمت عرضها في مدينة شفا عمرو، والتقته لأول مرة، يلقي قصيدتين، “كان في الثانية والعشرين من عمره، جميلا كإله إغريقي” تقول.

تستعيد تمارى ذاكرتها مع محمود في حيفا، وتتحدث بحرارة من مسّه الحب للتو، تصفه مفتونة بشِعّره وكرمه وذكائه وحسه الوطني، وتعترف أنه الرجل الوحيد من بين كل علاقاتها، الذي لم يبرح قلبها ولا مناماتها حتى اللحظة، ولطالما حلمت بطفل منه. تقول “كان الشعر جزءا من جوهر علاقتنا، أحببنا مايكوفسكي، ناظم حكمت ولوركا، محمود كان أستاذي الكبير، واليوم أعي كم من القوة منحني”. “صار يتردد على زيارتنا في البيت كصديق، احترمه أبي، ووالدتي كانت أسيرة سحره، لكن حين توثّقت علاقتي به، تحفّظ أهلي، وتملكهم القلق”.

صارت الضغوط كبيرة على العاشقين، أُرسلت الصبية للدراسة في أكاديمية الموسيقى والرقص بالقدس لإبعادها عن الحبيب، وهو لم يكن قادرا على السفر إليها من دون تصريح، ثم انقطعت العلاقة بينهما، بعد أن التحقت تمارى بالخدمة العسكرية في سلاح البحرية التابع للجيش الإسرائيلي، لكن الحب المنبوذ من الدين والجنسيتين المتصارعتين، بقي ينمو سرّا في قلب القصيدة، وعلى ريش اليمام، ويكتب محمود لها: “إلى حبيبتي الوحيدة في العالم… توجهت إلى الحاكم العسكري بعد ظهر يوم الأحد للحصول على تصريح سفر، فرفض طلبي… حلمت باحتساء الشاي معك عند الغروب”، وكتب “لأنك لا تستطيعين التغلب على بحر هائج، اقترح عليك من منطق القلق الكبير، ألا تحّسمي أمر مستقبل علاقتنا”.

قبيل دخوله سجن “معسياهو” توجه إليها برجاءه الأخير: “استجيبي لطلبي، وتعالي إلى حيفا، لا تملكين وقتا لكتابة الرد، كوني أنت الجواب”. لم تأتِ تمارى، وبعد أن خرج محمود من سجنه، سافر إلى موسكو عام 1970، وحُرم من حق العودة إلى ما قبل وفاته بعام. لم تلقاه ثانية حتى أواخر ثمانينات القرن العشرين، كانت في باريس، وطلبت رؤيته، وكان اللقاء باردا وعابرا في مقهى، قطعه هاتف من ياسر عرفات، وحين اتصلت به في اليوم التالي، دعاها أن تنسى الرومانسية، وقال: “أنت لست حبيبتي”.

بكت تمارى، ولم تسمع صوته حتى عام 2000، حين قرر وزير التعليم الإسرائيلي إدخال ثلاث من قصائد درويش إلى مناهج الدراسة، وكادت الحكومة أن تسقط. هاتفها من منفاه، وسألها بود: “هل أنا مهم لهذا الحد، حتى تسقط حكومة إسرائيل بسبب قصائدي؟”، وتعترف بمرارة أنها تشعر بالندم، لأنها فرّطت بحبها الكبير، وأن الإسرائيليين أضاعوا فرصة التعرّف بمحمود والإصغاء للآخر، وفي الختام تدعونا جميعا: أن نمنح الحب فرصة أن ينتصر على العنصرية والعصبيات الدينية والقومية، وفي دعوتها تكمن المقولة، التي حرّكت عدسة المخرجة الفلسطينية ابتسام مراعنة، زوجة بوعز منوحين.

على الضفة الأخرى من حكاية الحب العابر للحدود والعصبيات، أطلت رنا قباني من شقتها في باريس، امرأة في الخامسة والخمسين، تتحدث بهدوء محايد عن حب خاطف، انتهى بزواج قصير، قبل خمسة وثلاثين عاما، وترك خلفه بعض ترجماتها لقصائد محمود درويش، وحفنة من الذكريات، كتبتها لصحيفة “القدس العربي”.

صورتها ساحرة، وهي في الثامنة عشرة من عمرها، حين كانت طالبة في واشنطن، وحضرت أمسية شعرية لمحمود درويش عام 1977، كانت تجلس في الصف الأول، ولم يرفع نظره عنها، وبعد ساعة من انتهاء الأمسية، عرض عليها الزواج، أخبرت أهلها، وقبل مضي أربع وعشرين ساعة، دخلت القفص الذهبي، وطارت إلى بيروت.

بدأ الإحساس بالخيبة يراودها، وهي تنوء بحقائبها، وتصعد الأدراج إلى بيت الزوجية المتواضع في الدور الثامن، بعدها لم تستطع احتمال الحياة الفوضوية، التي يعيشها محمود، ولم يعجبها أولئك الزوار، الذين يقرعون بابه في كل وقت من دون موعد، يأكلون ويسكرون حتى وقت متأخر من الليل، كأنهم في بيتهم. قبل ذلك كانت حياتها هادئة، منظمة، مرفّهة في كنف اب يعمل في السلك الدبلوماسي، هو شقيق الشاعر نزار قباني.

لم تقدر على الاستمرار، وعادت إلى واشنطن لتكمل دراستها، ومحمود لم يحتمل غيابها. وعدها أن يعيشا حياة هادئة في باريس، ومرة ثانية لم ينجح الزواج، ولم يدم طويلا. وتجد رنا السبب في فارق السن الكبير بين الزوجين، وفي أن لكل منهما طبعه ومزاجه المختلف. تبتسم، وهي تتذكر، كيف غضبت، وطلبت منه، أن يجلي الصحون، بعد أن غادر أصدقاؤه، ثم أغلقت عليها باب غرفة النوم، بعد قليل سمعت دوي، وظنت أن الطائرات الإسرائيلية تقصف بيروت، خرجت خائفة تبحث عن محمود، ووجدته يكسر الصحون الوسخة، برميها على الأرض.

تتحدث رنا عن محمود برصانة من يحترم نفسه، ويتحمل مسؤولية خياراته، لكن ما تذكره، لا يتعدى التفاصيل اليومية الباهتة، ونبرتها المتأنية، الفاترة، توحي أنها طوت الصفحة منذ أمد بعيد، ومن غير أن تتقصد، حين تبحث عن مبررات إخفاق العلاقة، تضع العلامة الفارقة بين تجربتها كطليقة رجل شهير، وبين تمارى التي لا تزال غارقة في الحب، بين محمود الزوج الاناني، المغرور، ومحمود العاشق والشاعر الكبير.

في سياق إعدادها للفيلم، أظهرت ابتسام مراعنة الكثير من الذكاء والرهافة باختيارها لموضوع شيّق وإشكالي، يحمل خصوصيته المحلية، وبعده الإنساني العالمي، وينطق بمقولة ناعمة تواجه التزمت بالحب. أقنعت شخصيتين هامتين كتمارى ورنا، أن تبوحا بعاطفتيهما أمام عدستها، حصلت على رسائل محمود، وجمعت مادة وثائقية هامة من أرشيف الصور الفوتوغرافية، والأشرطة المصوّرة.

على مستوى المعالجة الفنية، اعتمدت المخرجة على تناوب الرواة، وتقاطع الشهادة الحية مع الأرشيف، أفردت المساحة الكبرى لرواية تمارى، وأبقت جميع الشهود في غرفهم المغلقة، ولم تبدِ أية مقترحات جمالية في التقاط التفاصيل او تسلسل الصور وتكوين المشهد، وحين جاء دور الرسائل، كان حلّها الإخراجي، أن يُعاد كتابتها بقلم الحبر أمام العدسة، بينما يقرأ الكلمات رجل من خارج الكادر.

ومع هذه الحلول المتواضعة لم تستطع ابتسام أن تخرج عن حدود الوثيقة، ولا أن تتجاوز صيغة التحقيق الصحفي إلى فضاء الفيلم التسجيلي، بإضفاء مسار درامي على الوقائع والشهادات، يناسب الموضوع العاطفي الذي تشتغل عليه. بقيت أسيرة أيقونة محمود درويش النمطية، ولم تصل مفتاح المجاز، حين يقول: هو من رأى شهواته تجري وراءها كالغدير/ هي من رأته معلّقا فوق السّياج، فأنزلته، وضمّدته، وانتشرت بسوسنها عليه.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 8 شباط 2015 الرابط

بطاقة “سجل أنا عربي” فيلم وثائقي (73د)، انتاج: فلسطيني- إسرائيلي مشترك، عام 2014، إعداد وإخراج: ابتسام مراعنة منوحين، حاصل على جائزة الجمهور في مهرجان “دوك أبيب”

عرض مساء 24/1/2015 في “بيت السينما” بصوفيا ضمن إطار مهرجان “مينار” السينمائي.

 

Advertisements