هاتفني الصديق الحارث النبهان، وأبلغني رغبته بإهدائي آخر كتاب نقله إلى العربية، صدر حديثًا عن دار التنوير. فرحتُ بهديتي واستعجلت بجلبها لثقتي بالعناوين التي يختارها والترجمات التي ينجزها. كان الكتاب يحمل اسم “كفاحي”، ولم يكن يحمل توقيع أدولف هتلر، بل توقيع الكاتب النرويجي كارل أوفه كناوسغارد على روايته الأولى الصادرة عام 2009، تحت عنوان فرعي “موت في العائلة”، ضمن إطار سلسلة تقع في ستة أجزاء، وثلاثة آلاف وستمئة صفحة.

لم أقرأ للمؤلف من قبل، واعتقدت أن كتابه سيتناول واحدة من القضايا التي شغلت العالم، أو بلده على الأقل إبان الحرب العالمية الثانية، وكانت أولى الصفحات تتحدث عن الموت، وعن رغبة البشر في طمس معالمه عن طريق إخفاء موتاهم بأسرع وقت ممكن، ولوهلة ظننتُ أن تداعيات البداية ستقودني إلى محارق النازية أو شيء من هذا القبيل، لكن الصفحات الأخرى كانت بعيدة كل البعد عن تخميناتي.

الكتاب الضخم الأول من سلسلة “كفاحي” الذي لاقى الكثير من الاهتمام والترحيب، ونال جائزة براغه، يحفل بسيرة كارل أوفه الشخصية منذ طفولته، وحتى رؤيته أول جسد ميت عام 1998، وهو في الثلاثين من عمره، وكان جسد أبيه. ذاك المشهد المهيب الذي سوف ينقل الكاتب من الإرباك والهلع الذي أصابه بعد تلقيه خبر الوفاة إلى اليقين أن: “البشر ليسوا أكثر من صيغة بين صيغ كثيرة ينتجها العالم مرة بعد مرة، والموت يشبه أنبوبًا يتسرب منه الماء، أو غصنًا ينكسر في الريح”. (ص461).

مشهد الأب الميت المدد في الكنيسة، سيغدو مفتاح الذاكرة التي سترسم حياة عادية، تتبخر ما بين جدران البيت والمدرسة ومكتب العمل، وليس ثمة بطولات أو انشغال بالشأن العام فيما يسرد الكاتب، نواقصه وعيوبه هي التي تتفتح على الأوراق، وتلقي بأسئلتها العميقة حول علاقة الكائن بنفسه وبالشرط الاجتماعي الذي يحيط به وينشأ فيه.

رحلة طويلة من التفكير في كنه السلوك البشري وأشكال التلقي والإدراك، وفي إشكالات التواصل والانقطاع بين الناس. رحلة قطعها الكاتب بين بلدين مختلفين: النرويج مكان ولادته ونشأته وزواجه الأول من الروائية تونجه، ثم السويد بلد ولادته ككاتب ورب أسرة لولد وابنتين في زواجه الثاني من الشاعرة ليندا بوستروم.

وفي تلك الرحلة تظل الحياة بحد ذاتها هي المعركة اليومية الطاحنة التي تستنفذ كل طاقتنا في الكفاح من أجل اكتساب المعارف الأولية، وتأمين لقمة العيش الضرورية، بناء الروابط الأسرية وتحقيق القليل من أحلامنا، وبقدر ما تكون تطلعات الذات مختلفة عن الآخرين، بقدر ما يبدو كفاحها مضنيًا أكثر: “هذا نضال مستمر ورغم هذا فهو ليس بطوليًا، إنني في مواجهة قوة أكبر مني، فمهما يكن الجهد الذي أبذله في أعمال المنزل، تظل الغرف سابحة في فوضى الأشياء المتناثرة، ويصبح الأطفال الذين أعتني بهم في كل دقيقة من وقت يقظتي أكثر عنادًا من أي شيء عرفته” (ص36).

يسرد كارل اوفه سيرته بضمير المتكلم من دون ادعاء أو تحفظات، يحدثنا عن أحداث عاشها، وشخصيات حية عرفها، يذكرهم بأسمائهم الحقيقية، مع أنهم أفراد عائلته وأصدقائه وجيرانه وعشيقاته. يخبرنا عن عقده ومخاوفه في سن الطفولة والمراهقة، عن خجله وتأتأته وخشيته من أبيه، عن رهابه من طوله المفاجئ السريع الذي قارب المترين، عن زيجاته وأطفاله، علاقته بالفن وحاجته إلى مساحات شاسعة من الوحدة كي يكتب النص الذي يريد: “تدمع عينايّ عندما أنظر إلى لوحة جميلة، لكن هذا لا يحدث عندما أنظر إلى أطفالي، لا يعني هذا أنني لا أحبهم، فأنا أحبهم من كل قلبي، إنه يعني فقط أن المعنى الذي يولّده لي أطفالي في نفسي ليس كافيًا لإرضاء حياة بأسرها”.

يعترف الكاتب بأنه فوضوي وملحد، يشعر بالعداء نحو العالم البرجوازي الدافئ المحترم، ولا يرى فائدة من الاختلاط بالناس، يحب التدخين والمشروبات الروحية، ولا يجد متعة تُذكر في الثرثرة والتهام الأطباق الشهية، وهي أسباب عزلته الداخلية. بدأ الكتابة في التاسعة والثلاثين، كي يفتح العالم المغلق أمامه، ولا يزال يفشل في إنجاز روايته، لأنه لا يحلم بالمستقبل، ولا يؤمن بالمدن الفاضلة، أو كما يقول: “الأدب مرتبط باليوتوبيا دائمًا، وعندما تفقد اليوتوبيا معناها، يفقد الأدب معناه أيضًا”.

يتبع الكاتب قلبه وتداعيات ذاكرته التي تحمل تداخل الأزمنة والأمكنة في بنية السرد، وهو سرد كثيف يتوزع على قسميّن منفصليّن ومترابطيّن، وينسكب كتلة ضخمة من التفاصيل والأحاسيس والمواقف والتأملات، تتناسل من بعضها البعض، بلا ذرى أو مسارات درامية، بلا وقفات استراحة أو تقطيع مشهدي، وبأسلوب واقعي ولغة أقرب إلى التقريرية منها إلى الأدب، ومع ذلك يبدو النص أكثر جاذبية وبلاغة من تلك النصوص التي تحفل بجماليات التكوين وشعرية السرد.

كأنه موج البحر يتكسر على الأوراق، ويكسر القواعد والقوالب بمده وجزه، أو كما يكتب المؤلف: “لا بد من تحطيم الأفكار القوية والأسلوب القوي، حتى يتمكن الأدب من الوجود، هذا التحطيم هو ما يُطلق عليه الكتابة. الكتابة قائمة على التحطيم أكثر مما هي قائمة على الخلق، والحرية تشبه التدمير مضافًا إليه الحركة”. (ص209).

كأن كارل أوفه كناوسغارد يصوغ فن التقاط الهشاشة وتمجيد الضعف، حين يتأمل في مرايا ذاته وتجربته الشخصية، ويكتب ما يراه: “أخفي عن قلبي أشياء كثيرة/ لكني أقول كل ما فيه”. يكتب بصدق ومن أجل الصدق لقارئ سوف يلمح نفسه أو بعضًا منها في الظلال والانعكاسات الشفيفة لعواطف ومواقف وأفكار مرت به، ولم يجرؤ على البوح بها.

تهامة الجندي

جيرون 27 أيار على الرابط

“كفاحي/ موت في العائلة”، سيرة في 462 صفحة قطع كبير، المؤلف: كارل أوفه كناوسغارد، ترجمة: الحارث النبهان، الناشر: دار التنوير 2017.

Advertisements