التقيت دارا عبد الله بالمصادفة في بيت أحد الأصدقاء، كاتب وناشط في منتصف العشرينات، لم تمضِ أكثر من أربعة شهور على خروجه من السجن، حرارة الشباب تطبع حركة جسده وصوته، والفوضى تطل من عينيه السوداوتين، ويحظى باهتمام ومودة الجميع. كنت وصلت لتوي إلى بيروت، وكان هو سيغادرها إلى ألمانيا في صباح اليوم التالي. لم أره ثانية، ولم يخطر ببالي أنه بعد فترة قصيرة سيصدر كتابه الأول “الوحدة تدلل ضحاياها”، وأن نصوصه ستسحرني، ولن أقوى على كتابة  سطر واحد للتعبير عن إعجابي قبل مضي ثلاثة أعوام.

العنوان مدهش وصادم وساخر، يشكّل وحدة شعرية مستقلة بذاتها، تنضوي على كثافة متعددة العلامات، وتفتح المبنى على سيل من التأملات، ثلاث كلمات تختزل الوحدة بمعناها الفلسفي الوجودي، قوقعة من الحواجز النفسية، تلجمك وتقصيك، تسرق فرحك، وتستنزف طاقتك وعواطفك، وأنت تحاول تخطيها، فتبدو رغما عنك مختلفا وغريبا عن الآخرين، لا فرق إن كان عزلك نتاج الاصطفاء الديني، أو القمع السياسي والرقابة الاجتماعية، في كل الأحوال ستغدو محط الأنظار والفضول.

وسوف تحيلك كثافة العنوان إلى نصوص تكسر كل قواعد الكتابة، وتدنو إليك عارية إلا من ذاتها، تأخذك من ما يشبه الومضة أو الرؤية الشعرية، إلى ما يقارب السيرة والقصة القصيرة، لكنها ليست هذا ولا ذاك، ومن العبث أن تتعب نفسك في محاولة أسرها بقالب أدبي، لأنها ستبتعد عنك، وهي بين يديك، وتحرمك متعة الذوبان فيها.

في نص “دورة” تفاجئنا رؤية فلسفية من أربع جمل فقط: “الرحم التي تلجها الآن قد خرجتَ منها، في الخروج أنت مخلوق، وفي الدخول أنت خلاّق”. وتحت عنوان “اعترافات سلفي مرتد” نقرأ مقطعا من سيرة ذاتية في ثلاث صفحات، بأسلوب تهكمي متسلسل، يضع علامات فارقة على تواطؤ السلطتين الدينية والسياسية، ويبدأ بدخول المؤلف إلى المسجد يوم “جمعة الكرامة” في الثامن عشر من آذار 2011، وهو لا يجيد من الصلاة إلا الحركات: “عند السجود والركوع، كادت مؤخرتي تدخل في فم العبد الذي ورائي”، وينتهي المشهد بعد خطبة البوطي، وأول صرخة حرية، حينها: “انقسم المسجد إلى من يصيح، ومن يضرب من يصيح، وانقلب الخشوع الباهت إلى حفلة قمع دموية”.

يتأمل دارا مليا في دواخل نفسه، وفي مفردات الوجود من حوله، ويحاول فك ارتباطها عن المسلمات والفرضيات القديمة، وإعادة اكتشاف ما تضمره المعاني والروابط الخفية، من دلالات وعلاقات جديدة، وُلدت من رحم الحراك السلمي ونداء الحرية، بدءا من مفاهيم الإيمان والإلحاد والحب، إلى اصطلاحات الأصل والطائفة والسلطة والمعارضة، وصولا إلى حقائق الحرب والقتل والسجن، وهو لا يسعى من تجاوزاته إلى إضافة مقترحات مغايرة، بقدر سعيه إلى القطيعة الكاملة مع تراث الاستبداد بكل حوامله وتجلياته.

يعتبر دارا: “الإلحاد حرص على الله وتبرئة له”، ويحلم “بعالم يكون فيه كل شخص أصل، ولا ينحدر من أحد”، ويرى أن “إدانة طائفة في ظل ثورة، أبشع من إدانة ثورة في ظلّ نظام”، وأن “القتل يؤدي إلى السلطة، والسلطة تؤدي إلى القتل”، و”أطفال شهدوا حروبا سيخوضون حروبا”، ولعل أجمل ما في نصوصه رغبته في تخليص اللغة من عنف المقولات الجاهزة وإكراهات التمجيد والتقديس، ودعوته إلى “أنْسَنةُ الانفعالات وإخراجها من حيّز الثابت المطلق إلى سياق التاريخ، للحدِّ من توالد ديكتاتوريات جديدة”.

كتاب بحجم راحة اليد، حين تفتحه يذكرك بـ”الشهيد أيهم غزول” الطالب الجامعي الذي قُتل تحت التعذيب، ثم يصحبك من فضاء الرؤى الشعرية والتأملات الفلسفية إلى أرض المعتقل الرهيب، حيث يستعيد دارا تجربته فيه بلا أدنى ادعاء: “أخاف من رجال الأمن وشرطة المرور والعساكر والأشخاص ذوي الذقون الطويلة والرؤوس الحليقة، أرى السجون أمكنةً للإذلال، وليستَ منصَّات بطولة”.

مكان مقيت للعزل الاجتماعي، والتعذيب النفسي والجسدي، يفوق قدرة الكائن البشري على الاحتمال والمقاومة، ثمة منفردات على شكل القبور، “طولها لا يسمح بالتمدد وعرضها يعيق التكور الجنيني”، قد يوضع فيها السجين لشهور، وتفقده الحس بالأبعاد، والمهاجع الجماعية تختنق بالمعتقلين والجرذان، و”البلاطة هي وحدة لقياس القِدم في السجن، كلما كان لك بلاطات أكثر كنت أكثر عراقة” وأكثر راحة، الإهمال وسوء التغذية يتقاسمه الجميع، وجراح المساجين تتقيح وتتعفن ويخرج منها الدود، قبل أن تقضي عليهم.

اعتُقل دارا ثلاث مرات، وغادر سوريا خوفا من الاعتقال الرابع في مختبرات فريدة من نوعها لتصنيع الرعب، معظمنا نحن السورين أسرى صورها وكوابيسها، تلاحقنا وتجعلنا نعيش لا كي نحقق ذواتنا، بقدر ما نفكر كيف ننجو منها؟. سجون السلطة الشمولية، علامة عجزنا وصمتنا وإرباكات حياتنا منذ عقود، وأظن حلم الخلاص من جحيمها، هو من غرس عشب الربيع في ساحاتنا، وأبدع فلسفة “الوحدة تدلل ضحاياها”.

تهامة الجندي

جيرون 6 شباط 2017 الرابط

Advertisements