حين فتحت عيني على الحياة كان أبي معتقلا وأعماي في المنفى. التقيت عمي عاصم مرتين فقط، مرة في اسطنبول والثانية في قبرص بعد أن كان نجا من محاولة اغتياله، وما إن صدرت مجموعتي الشعرية الأولى “لا توقظ الحنين” في دمشق عام 1999، حتى أرسلتها له في بيروت، أشعره أني انضممت لإرث العائلة، لم أتوقع أنه سيحيط عثراتي البكر بدفئه، ويكتب عنها. كانت مقالته أجمل هدية تلقيتها في حياتي، أخرجها من بين أوراقي كلما شعرت باليتم، وأرسل لروحه قبلة.

لا توقظ الحنين” لتهامة الجندي

العم يكتب عن ابنة أخيه ……

نداء الوطن 5/8/1999

بقلم عاصم الجندي

هل يجوز للمرء أن يكتب عن أفراد عائلته؟ يبدو السؤال على شيء من الغرابة.

نحن عائلة عجيبة خمسة أخوة فيها أربعة كتاب والوحيد الذي نفد من اللعبة كان يمكن له أن يكون الأكثر عطاء، لكنه انصرف من حرفة الأدب إلى شؤون أخر، وكان يطيب لبعض الزملاء والأصدقاء في الستينات أن يلقبونا بالأخوة كرامازوف، وقد كتبوا ذلك في أكثر من مناسبة ومجال.

حين بدا أخي الأكبر ينشر نتاجه أواخر الستينات في بيروت، كنت أقوم بمتابعة النشر ومراجعة البروفات حتى إذا خرجت النسخة الأولى من المطبعة سارعت في اليوم التالي لكتابة مقالة نقدية عنه، وكان رحمه الله يشعر بفرح غامر لذلك، كان يقول لي لقد ربيتكم على تقديس حرية الفكر وها انتم تمارسونها على أرض الواقع، كان في الخمسينات مربيا لجيل كامل فكريا وأدبيا، وكنت واحدا من ذلك الجيل.

أما أخي الشاعر فلطالما كانت مساجلاتنا مجالا رحيبا للتعليقات وتندر الوسط الأدبي في الستينات والسبعينات، اذكر أني كتبت مرة مقالة في مجلة الدستور حول مجموعته “الحمى الترابية” فأعيد نشرها في الكويت والعراق والمغرب تحت عنوان: ناقد ينقد أخاه … إذن لا ضير في أن يكتب المرء عن أحد أفراد عائلته طالما انهم يبدعون وينشرون نتاجهم وهو يشتغل في حرفة النقد وكثيرا ما يكون للأمر نكهته الخاصة وطرافته.

قال لي شاعر وفد من السلمية -بلدتنا العتيقة- يبدو أن عرق الموهبة قد جف في عائلتكم فجيلها الجديد لا يهتم بالأدب، وليس فيه من يكتب الشعر أو القصة أو الرواية… ولم أجد جوابا وإن حز في نفسي ذلك وأحسست بوجع حقيقي.

الذين كانوا بدأوا يتعبون بعضهم رحل في رحلة الغياب وبعضهم توقف عن العطاء، وآخر من استمر منهم في الكتابة، لم يعد يجد كثير لذة أو سعادة في ذلك، لكأنه يكتب بحكم العادة أو يريد أن يقنع نفسه قبل الآخرين أن لم ينته كل شيء بعد.

وجاءتني مجموعة تهامة الجندي “لا توقظ الحنين” الأخيرة ففرحت بها فرحا حقيقيا، العرق لم يجف بعد إذن، وها هي هذه البنية تلحق بركب العذاب المديد، تحترق كأعمامها بوجع الكتابة …

طبيعي أنني لن أكون كثير الموضوعية في معالجة مجموعتها فأنا لا أستطيع أن أنحي الحالة العاطفية خصوصا أنني أشعر كأنها ابنتي على قلة ما نلتقي ولكنني سأحاول….

في أرومتي العجيبة التي حين حكمت عليها الأيام بالابتعاد عن الحياة العامة، حاولت أن تعوض عن ذلك بالكتابة، ولعل الأمر كان في صالحها, كل المراكز كل المسؤوليات ينساها الناس بعد حين بعد سنوات إلا الكلمة فإنها تبقى على الزمن، وقد تخلد صاحبها  يتذكره الناس بها بعد سنوات طويلة إذا كانت تحمل بعضا من حياة بعضا من العمق والاختلاف عن السائد

 فماذا في مجموعة الحبيبة تهامة…؟

واضح منذ البداية أن ثمة سمات عائلية تحملها بشكل لا لبس فيه  الحزن العميق والقاتم وغير المفسر في كثير من الأحيان، حزن تاريخي مع الكثير من العاطفية والإصرار على الحب ولو في الغياب والحنين الأبيد إلى رحيل ما، إلى مطارح ما مجهولة وقد لا تكون حقيقية, مع إحساس غامر بفجيعة ما….

للغياب حضور طاغ في كل ما تكتبه …. غياب الأحبة بكل ما في ذلك  من مرارات وغياب الحبيب، ولعل الأول هو الأكثر تجريا لإلهام قلمها البكر …

هي ذي تهامة تروي أحزانها بشكل رقيق وعذب وحافل بالصور الجميلة:

مساء/ تعود إلي الدموع /فأجلسها على عرش التعب../ وألبسها/ انتظارات عمر بخيل /تسرّب مني/ ألما مسرعا نحو الظلام/ كأني راية للظل/ كأن دمائي سراب /كأني البوادي /توزع صمتها/ عطش التراب/ على العابرين…

إذا كانت لها كل هذه الأحزان، فماذا تركت لنا نحن الشيوخ؟ ففي تضاعيف مقطوعاتها تعابير شاردة تحكي عن حزن الطاعنين في الوجع:

ظل الصمت يكسر قلبي.. حصاد الخيبات.. رؤى هزمتها الريح الأمنيات لا تزهر على روابي الرماد…

هي تعابير التقطتها. هكذا دون تحديد من أكثر من مقطوعة. هل أحسدها, أم أرثي لها, لأنها تملك كل هذا الرصيد من الحزن….

وحين تتذكر بلغاريا وهي درست هناك وعاشت لسنوات هناك يبدو الحنين في أعذب لحونه:

احن إلى عنفوان صبية كنتها

تتحدى العابرين

بوهج المبادئ

وجينز ممزق وعلبة تبغ

احن إلى حزني المبعثر

في شوارعك العتيقة

احن إلى حنيني للوطن

ثمة فسحات تضيئ من حين لآخر، هي حالات إنسانية, قد يكون لها نوع من البعد شبه السياسي:

“كل مساء أفرش وجعي على الطاولة

وأطيل التأمل والتفكير

هل يولد الرجال في السجن

أم في الحرية”

أو

“في الممرات الضيقة والحفر

يحتشد رفضك المخنوق

في سراديب الظلام

ويزحف القلق”

لن نتوقف أكثر عند هذا الجانب، كي لا نقوّلها ما لا تود قوله

ولكنها أكثر ما تتجلى حين تتحدث عن الحب, حبها المنغمس بالأحزان …

“عيناك غمام

يمطر رغبة

وروحي عطشى

لماء الغمام” .

“لي في الحب سبع خيبات      

وقلب ما تعلم”

ثم

“إليك تسير جهاتي

عطشى لماء البنفسج

وانكسر على أعتاب شهوتي

أما آن لهذا الحب

أن ينجب رحمة”

وثمة مقطوعة صغيرة بعنوان “نداء”  ما أجملها تمنيتها لو أنها لي:

“ما زالت خضرة عينيك

تحاصر أيامي

ما زال في القلب

متسع لواحة حزن

فتعال..”

لماذا حديث العشق عندها مجبول بكل هذه العذاب

“الجسد يختزل اللغات في جملة

يقولها متوهجا مرة واحدة

ثم يأتي الانطفاء

لكن الروح تعشق جمع المفردات

تنسج نصها بخيوط الحنين

وتنقشه فوق الغمام”

ثم ينكسر الشوق. تأتي النهايات الفاجعة:

“ما عادت الدروب تتسع

لخطانا الحالمات

تأخرنا كثيرا يا رفيق

واعتل الكلام

ماذا تقول إذن

في حضرة هذا الموت العميم

بأي الأكف نمسح شقاء السنين”

ثمة حديث تسوقه لحبيب بعيد على وشك الرحيل …ارتحل

“أقدامك المتأرجحة

اللاهثة خلف السراب

ترجوك أن تستريح

فالدائرة أغلقت منافذها عليك

واكتمل الحصار

ومن عناوين الهزيمة

أن نقبل شروط الآخرين

ونستكين”

ولكن يبدو انه لم يستمع إلى النداء فأمعن في الرحيل ….

و تأتي “لا تلومي” في النهاية لكأنها الرسالة الأخيرة من حبيب بعيد قرر ألا يعود أبدا:

“يجرحني نزيف الحنين

لطهر ما يغيب منكِ

وفيّ

اقبل أطرافكِ ترشح حزنا

جرح الجبين

امسح انكسار عينيكِ

أحميك بما تبقى من حطام روحي

لا تلومي

إن تأخرت أو تعثرت

هو الليل”

تهامة تفاجئنا بشاعرة حقيقية تغفو في جنبات عزلتها، هي ما زالت في طريقها إلى النضج، وعليها أن تتعهد غراس حديقتها الصغيرة أكثر، فالدرب محفوفة بكل ما لا نتوقع والاستمرارية حتى العناد أساس لكل إبداع

فرحت بمجموعتك أيتها الحبيبة عرق العائلة لما يجف بعد.

عاصم الجندي (1932-2001)

Advertisements