إلى رزان زيتونة وسميرة الخليل

خرج الشعب السوري إلى ساحات التظاهر معلنا احتجاجه على فساد النظام الحاكم وانتهاكه لحقوق الإنسان، وأولها حق إبداء الرأي وحرية التعبير، والمساواة بين المواطنين، رجالا كانوا أم نساء، تلك الحقوق التي صاغت جوهر الحداثة الفكرية، ومفهوم المواطنة والدولة المدينة، وأعادت الاعتبار لكينونة المرأة بوصفها شريك كامل في الحياة الأسرية والشأن العام.

انخرطت المرأة السورية في الثورة منذ ندائها الأول، وتحديها الجسور لمخاطر القمع والقتل اليومي في كافة ميادين الحراك السلمي، أكسبها لحظات رائعة من الإحساس بالثقة وتحقّق الذات، وأمدها بمختلف أشكال التعاطف والتقدير، إن كان على مستوى رفاق الدرب، أو على المستويين العربي والدولي، غير أن ذلك لم يُترجم عمليا بحراك فكري، يناهض أشكال التمييز والعنف والعسّف التي مُورست بحقها، ولا تزال تُمارس، بل إن قضية المرأة بوصفها قضية تحرّر ومساواة وحقوق مدنية، يكفلها القانون ويصونها من التجاوزات، لا تزال قضية مؤجلة، وإن حدث وتم تداولها، فهي تُطرح بشكل خجول، وفي أطر ضيقة، على اعتبار أن الخوض في جزئيات الحياة ترف لا وقت له في ظل الموت العميم الذي يخيّم على سوريا.

من حيث المبدأ تتحدد ترسيمات القضية بالقمع السياسي والاجتماعي والديني المركب، الذي يستهدف نشاط المرأة في الشأن العام، ومكانتها الاجتماعية، وحياتها الأسرية، وإن تباينت حدته تبعا لاختلاف البيئة الاجتماعية والانتماء المذهبي والفكري، فقانون الطوارئ في سوريا ساوى بين الجميع منذ خمسة عقود، لكن قانون الأحوال الشخصية الذي يستند إلى الفقه الشرعي المحافظ، ضمن تفوق الرجال على النساء في كافة المجالات، مع أن السلطة الحاكمة تدعي العلمنة، ودستور البلاد ينص صراحة على مساواة الجنسين، والحكومة السورية قامت بالتوقيع على الاتفاقية الدولية لـ”القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة” عام 2003.

القانون السوري لا يمنح المرأة نفس حقوق الرجل في الإرث ولا أثناء الزواج والطلاق، ولا يعطيها الحق في نقل جنسيتها إلى أطفالها أو الوصاية عليهم، ولا الحق باختيار اسم الأسرة وحرية الحركة والسكن، ويبيح العنف ضدها وتعدد الزوجات، ويعتبر شهادتها ناقصة، ويخفف من عقوبات “جرائم الشرف” التي تطالها.

وإذا كان القانون هو المرجعية لتصويب السلوك، وضبطه في معايير ملزمة، فقد تكرست باسم الإسلام الذهنية الذكورية، بكل ما تنتجه من تحيز لصالح الرجل، وعنف ضد المرأة، كان بالإمكان إلغائه بإتباع المبدأيّن: “لا ضرار في الدين” و”التخلي عن الحلال ليس حراما في الشريعة”، لكن المؤسسة الدينية الرسمية ليست مهمتها إنصاف النساء، بل تثبيت دعائم السلطة الحاكمة.

وحين خرجت المرأة السورية إلى ساحات التظاهر، كانت وهي تنادي بالحرية، تثور على كل السلطات والممارسات والقوانين التي قيدتها وأهدرت كرامتها، لكن مع موجات القمع الدموي الذي طاول جميع المحتجين في كل المناطق السورية، وجدت نفسها تصارع مصيرًا مجهولًا في السجون ومخيمات اللجوء، أو تحت سماء لا تكف عن إلقاء المتفجرات.

بذلت هيئات الثورة بالتعاون مع المنظمات الدولية جهدًا كبيرًا في إغاثة المنكوبات، وتوثيق الانتهاكات ضدهنّ، والمطالبة بالإفراج عن المعتقلات، وإطلاق البرامج والمشاريع لتمكين النساء من كسب قوتهنّ اليومي، غير أن قضية المرأة المتعددة الأبعاد والطبقات أوسع من الإغاثة والتوثيق والتمكين. إنها تتشابك جدليًا مع كل محاور الصراع الفكري والميداني للوصول إلى الدولة الديمقراطية المنشودة، بدءا من إسقاط الدكتاتورية، إلى الإصلاح الديني، وحتى تفكيك الذهنية الذكورية، التي استعادت سطوتها مع انتشار “النصرة” و”داعش” والفصائل الإسلامية المتطرفة.

للإصلاح الديني إرثه الفكري الطويل، الذي يدعو إلى فصل الدولة عن الدين، وحرية الفكر والمعتقد، والمساواة بين الجنسين في مختلف مجالات العلم والعمل والأجر ورئاسة الدولة وتفسير النصوص الدينية، منذ بداية المشروع النهضوي العربي في القرن التاسع عشر، وقول الإمام محمد عبده بإمكانية إبطال تعدد الزوجات فقهيًا. إلى قول المفكر الإسلامي الراحل نصر حامد أبو زيد بالمساواة التامة بين النساء والرجال، بما فيها الميراث. وصولًا إلى المفكر السوداني محمود محمد طه الذي دعا النساء لرفض أي وصاية عليهنّ باسم الدين، وكان أن حوكم، ونُفذ فيه حكم الإعدام، انتهاء بالمجتهدين الإسلاميين المعاصرين الذين جادلوا بقوة بأن الحجاب عادة اجتماعية، وليس فرضا على المرأة، من أمثال: شيخ الأزهر محمود شلتوت، والمفكر محمد شحرور، والشيخ مصطفى محمد راشد. فلماذا نتجاهل هذا الإرث المستنير، بدلًا من تبني مقولاته للفصل في الإشكالات المتعلقة بحقوق المرأة المسلمة ودورها الاجتماعي؟.

“الذهنية الذكورية” لا تنتج سوى الاستبداد والتطرف والحروب، وليس المقصود بالعبارة الإساءة إلى الرجال أو تمجيد النساء، فكلا الطرفين ضحايا وجناة في المجتمع الذكوري، لأنه يقوم على مبدأ الفصل والإقصاء والتمييز والولاءات التراتبية الصارمة والاحتراب بين مكوناته، وهو لا يقبل التسامح ولا الانفتاح أو السلمية، كي يضمن تماسكه الظاهري، ومن دون تفكيك هذه المنظومة المعقّدة من العداوات والولاءات، واستبدالها بعقّد اجتماعي جديد، يكفل الحرية والعدالة للجميع، لا يمكن الانتقال إلى المجتمع المدني، غاية الثورة السورية.

المساواة بين الجنسين، ليست ترف النخبة المثقفة، المُغرّبنة والمُعلّمنة، بل هي في صلب معركة التنوير والتغيير الجذري، وحسم مسائل الإصلاح السياسي والديني، وحقوق الإنسان. وقضية المرأة ليست ثانوية في سلّم الأولويات، هي المقياس العادل في تمثيل نصف المجتمع، وهي الكفيلة بتصحيح صورة الإسلام في عيون العالم المتحضر الذي نتطلع بثورتنا الجميلة للانضمام إليه.

تهامة الجندي

جيرون 13 نيسان/ أبريل 2017 الرابط

Advertisements