بعد المجزرة الوحشية التي ارتكبها تنظيم “داعش” بحق جند النظام السوري، لم أجرؤ على مشاهدة أيا من صورها، المنتشرة على المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. اكتفيت بمتابعة الأخبار، وقرأت باهتمام بالغ كل تعليقات أصدقائي الفسابكة، كما سجلت إعجابي بتلك النزعة الإنسانية الخالصة، التي لمستها عند بعضهم، ممن أدانوا الجريمة النكراء، وأبدوا تعاطفهم مع الجنود السوريين المجّبرين على خوض المعركة، أو المغرّر بهم. كذلك أفرحتني أنباء تزمّر بعض الموالين، وعصيان بعضهم الآخر. لكني حين أغلقت صفحتي، بدأت أتساءل عن حقيقة مشاعري إزاء ما حدث؟

من حيث المبدأ، أنا ضد كل أشكال العنف والقتل، أيا كانت هوية الجاني ومسوّغاته. لكني إن أردت الصدق مع نفسي، لم أشعر بالتعاطف مع ضحايا المجّزرة، هؤلاء الذين أقّسموا على حماية الشعب السوري، وأذاقوه الويلات خلال أربع سنوات من عمر الثورة. كما لم أجدني في موقع المضطر لتبرئة أيا منهم، أو تبرير موقفه، فهم من اختاروا الوقوف في خندق الجلاّد، ومعه اختاروا لغة الحرب، وفوق رؤوس المواطنين العزّل، أفرغوا ما في جعبة الجيش السوري من ذخيرة وعتاد، وهم الذين يحصدون تبعات جرائمهم.

هذا لا يعني أني أشعر بالتشفّي، أو بالامتنان للسيّاف الذي جزّ عنق قاتلي، فهو الابن الشرعي لبطش النظام السوري، والمعركة الطاحنة بين الجبهتين، هي من أجل المزيد من الطغيان. أنا لست قاض، ولا أقف في محكمة عادلة، وأمام هذا الموت الهمجي، أشعر بالاشمئزاز من كلا الطرفين، كلاهما شريك في خراب سوريا، وإراقة دماء السوريين  بأعصاب باردة، ولن أنحاز لأي منهما. لكني أشعر بالحنق الشديد لمقتل الصحفي الأمريكي جيمس فولي، ثم يتراءى لي وجه حسين هرموش، وألقي سلامي على روحه الطاهرة.

أستعيد صور التعذيب الوحشي في السجون السورية، البراميل التي تنّفجر فوق منازل السوريين، والأسلحة المحرّمة التي تحرق أجسادهم. أستعيد صور القنّص وتجويع المحاصرين، الإعدامات الميدانية والمجازر الجماعية، هدم البنى التحتية، قصف المشافي والمدارس والمخابز ودور العبادة، الخطف والقتل على الهوية. القبور في كل مكان، والأمهات ثكالى، و”بدّكن حرية؟”.

أذكر الوثائق التي تثبت علاقة النظامين السوري والإيراني بـ”داعش” و”القاعدة”، وأذكر تصرّيح الصحفي الروسي فاتيسلاف ماتوزوف: “تنحية الأسد عن السلطة مجرد أحلام”، و”البراميل المتفجّرة تضليل إعلامي”. أتساءل، لماذا لم يشكك أحد في صور مجّزرة الرقة؟. ولا أستغرب دعوة المعلّم على إثرها، لفتح السماء السورية أمام التدخل الأجنبي، مع أن طلب التدخل الأجنبي، كان ذريعة “نظام الممانعة” لقتل واعتقال أكثر من نصف مليون سوري منذ بدء الثورة السورية.

أستعرض شريط المنشقين الأوائل عن الجيش السوري، أولئك الذين جازفوا بحياتهم لإنقاذ حياة الآخرين، الذين جمعهم حسين هرموش في كتائب متفرقة، شكلت فيما بعد ألوية “الجيش الحر”. الجيش الذي قام بحماية المتظاهرين، نقل الجرحى إلى المشافي الميدانية، دفن القتلى، إيصال الأودية والمؤمن الغذائية إلى المناطق المنكوبة، حفظ الممتلكات من السرقات، وتأمين حركة الإعلاميين المؤيدين للثورة، سوريين وعربا وأجانب، لنشر حقيقة ما يجري.

هؤلاء الجنود المجهولون، الذين كانوا يعملون من دون راحة وامتيازات، او حتى مقابل مادي يُذكر، وفي كثير من الأحيان بما لا يكفيهم من طعام وشراب، لم يكونوا من “داعش” ولا “النصرة”، ولا من أية عصابات إرهابية مزّعومة. لم يقتلوا المدنيين، ولم يقيموا حدود الدين بأحد، بل أوجدوا ممرات سرية آمنة لنزوح الأهالي، وعبور النشطاء، وانشقاق المسؤولين. كانوا درع الثورة السلّمية، ومع سورية المدنية الديمقراطية، يعيشون على خطوط النار، ويؤمنون أن الله العادل، سينصر مسعاهم النبيل.

بأسلحتهم الخفيفة التي فروا بها، وبالقليل الذي غنموه من الجيش النظامي، والأقل الذي وصلهم من الدول الصديقة للشعب السوري، وبالصواريخ البدائية والقنابل اليدوية التي صنعوها بأنفسهم، استطاعوا أن يحققوا انتصارات مذهلة، هزت أركان السلطة الحاكمة. بسطوا سيطرتهم على نحو ثلثي سوريا، وعلى معظم المعابر الحدودية، والأراضي المتاخمة لها، تمهيدا لفرض الحظّر الجوي، وتشكيل مناطق آمنة للنازحين، ومن ثمة إسقاط النظام، وتسليم السلطة لقيادة ديمقراطية، ينتخبها السوريين.

لم يحدث الحظّر، ولم يأتِ دعم الأصدقاء بمضادات الطائرات. وصلت المزيد من الأسلحة الروسية والإيرانية إلى النظام، ومع تسلّل المقاتلين الجهاديين العرب والأجانب إلى الأراضي السورية، وجدت ألوية الحر نفسها تدخل معارك طاحنة، مع خصمها التقليدي وخصومها المسّتجدين، وأصبح من السهل اختراقها وإضعافها وتفريق شملها.

وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، أشاع جند النظام الإلكترونيين، ان كل نشاط سلمي مسموح به، بما في ذلك شتم الحكومة والرئيس، الممنوع الوحيد هو تأييد “الجيش الحر” أو الالتحاق به. عقوبته التعذيب حتى الموت، والتمثيل بجثة القتيل. سرت الإشاعة مثل النار بالهشيم، تنصل الكثيرون من الحر بحجة التمسك بسلمية الثورة، وبدأت حملات التشويه به، بحجة عدم الصمت على أخطاء الثوار.

نجحت اللعبة في ضرب مصداقية الحر، وتراجع التأييد له في الداخل والخارج، وخسر حاضنته الشعبية. لكن الإبادات الجماعية، والاعتقالات التعسفية لم تتوقف، وأضيف إليها مذابح “داعش”، وانتهاكاتهم الخطيرة بحق المدنيين. والأصوات السلّمية التي ارتفعت لإسقاط النظام، لم تمنع الرئيس من الجلوس على كرسي العرش لولاية ثالثة. وبعد أربعة اعوام من الترّويع والتجّويع والتشّريد والتكّفير، تراكمت أخطاء الثوار، السلّميين والمسلحين، بالقدر الذي تراكمت به جرائم النظام.

من جهتي لم أكن أتوقع غير هذا، ولا أزال على تشاؤمي. لكني سأظل أنحني عرفانا وحبا، أمام كل جندي سوري، منعه ضميره الحي من قتل السوريين. وإن سُئلت، سأطالب بإحالة جميع من خرق حقوق إنسانيتنا إلى المحاكم المخّتصة، أسوة بكل المجرمين. لا فرق عندي إن كانوا من أتباع النظام أم الثائرين، أو غيرهم من المقاتلين العرب والأجانب.

ومهما حدث من كوارث، وطال الانتظار، سأبقى على حلمي بالحرية، وعلى يقيني أن الثورة السورية، هي الحقيقة العادلة الوحيدة، التي عشّناها منذ أربعة عقود. هي التي ستعيد تشكيلنا، وهي التي ستحدث اصطفافا جديدا على مستوى العالم، لا علاقة له بمصالح الدول، بل بأحقية البشر في العيش الآمن، الكريم. لأنها أسقطت كل الأقنعة، من فجور النظم المسّتبدة، والتغاضي عن جرائمها، إلى هشاشة المعارضين، وزيف معظم النخب العربية المثقفة. ومن همجية الجهاديين بكل مذاهبهم وجنسياتهم، إلى عجز هيئات المجتمع الدولي.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 14 أيلول 2014 على الرابط

Advertisements