“سوريا بلد التعايش السلمي ما بين الأديان والطوائف”، ربما تكون هذه أكثر عبارة تردّدتْ في قنوات الإعلام السوري، خلال العقديّن المنصرميّن من حكم الأسديّن، وإذا كانت العبارة، تعكس حقيقة توارثها السوريون منذ القدم، فإنها لم تكن تنضوي على ما يكفي من حق المعرفة،  وحق الاختلاف، أو حرية الاختلاط، بقدر ما كانت تعني الاحترام الحذر، وآداب حسن الجوار بين جماعات، تعتنق مذاهب متباينة. فقد أدت مجزرة حماة أوائل ثمانيات القرن العشرين، بكل ما حملته من ذيول وارتدادات، إلى تقليص حجم وفعالية التيار المدني، الذي كان يسعى لتجاوز انتماءاته الطائفية لصالح حقوق المواطنة، حتى لم يبقَ منه سوى حفنة من المتنوّرين المعارضين.

من حيث المبدأ تجمع سوريا الأديان السماوية الثلاث: الإسلام والمسيحية، وحوالي ألف شخص من أتباع الديانة اليهودية، ولهذه عدد من الطوائف، والدستور السوري في مادته الخامسة والثلاثين، يكفل الحرية الدينية لجميع المواطنين، لكن ثمة بنود واشتراطات أخرى، تنتقص من هذه الحرية، وتجعلها أقرب إلى الصورية في الكثير من الأحيان، كالمادة الثالثة من الدستور، التي تنص على أن يكون رئيس الجمهورية مسّلما، وتعتبر الفقه أحد مصادر التشريع الرئيسة. أو قانون الأحوال الشخصية، الذي يمنع زواج المسّلمة بغير المسّلم، ويُبقي على دين أولاد المسلم الذي اعتنق دينًا آخر غير الإسلام، حتى لو ولدوا من زواج لاحق لتغيير دينه.

أما الطامة الكبرى فهي غياب قانون موحّد للأحوال الشخصية، فكل طائفة تسنّ لنفسها القوانين، التي تتفق وأحكام شرّعها، وهذا يعني أننا أمام متاهة من الأحكام المتعلقة بمسائل الزواج والطلاق والإرث، تجعل من الزيجات المختلطة أمرا متعثّرا، إن لم يكن مستحيلا، بحيث يصبح الحديث عن التعايش واهيا، من دون أن يرتبط بالاتفاق على صوغ قانون مدني للأحوال الشخصية، يتساوى أمامه الجميع.

حسب معطيات الـ”ويكبيديا الحرة”، تشير إحصائية ظهرت عام 2006، أن المسلمين يشكلون ما يقدر بـ87% من مجموع سكان سوريا، 69% منهم من المسلمين السنّة، و 16% من العلويين، 3% من الدروز، و 2% من المسلمين الشيعة والإسماعيليين، بينما تبلغ نسبة المسيحيين ما يقدر بـ10% من السكان، نصفهم من الروم الأرثوذكس، وعلى الرغم من التنوع الكبير الذي ترصده الإحصائية، فإنها تتجاهل طوائف النصف الآخر من المسيحيين، وتسقط الأقلية الإيزيدية والمرشدية من المسح السكاني.

إلى ذلك يتميز الفرز السابق ما بين الجماعات الدينية، أنه مبني على أساس الولادة، لا على الاختيار الحر، حيث إن تغيير الشخص لدينه أو طائفته، امرا نادر الحدوث في المجتمع السوري. وإذا كانت المآذن وأجراس الكنائس، التي يُسمع صوتها في كل مكان، والمصاحف والأناجيل التي تُباع في المكتبات العامة، جعلت من تعاليم وشعائر المسلمين السنّة والمسيحيين، ظاهرة للعيان، ومعروفة إلى حد ما لدى الطوائف الأخرى، فقد كانت العديد من الأقليات الدينية، تمارس طقوسها في الظل، وكانت مضطرة بدافع غريزة البقاء، أن تجد تحالفاتها الوثيقة بين أحضان النظام، أو في صفوف المعارضة، حتى لا تعيش مغلقة على ذاتها في مناطقها الفقيرة، النائية، شأنها في ذلك شأن معظم الأقليات، التي كانت تعاني من التغييب، وكان الحديث عن خصوصياتها وحقوقها، يهدّد اللحمة الوطنية من منظور “الدولة الممانعة” التي استطاعت بعصاها الغليظة، أن تفرز رعاياها إلى ثلاث طبقات: “الموالي” و”الحيادي الإيجابي أو السلبي” والمعارض.

لم نتعايش نحن السوريين في ظل “الأسد”، رغم كل المقدّمات التاريخية، وموجبات هويتنا الثقافية، عشنا غرباء ومقهورين في الوطن الواحد، تجمعنا تصورات غامضة ومسيئة لبعضنا البعض: “السنة “متخلفون ومتوحشون”، “العلويون أزلام النظام”، “الإسماعيليون عبدة الفرج”، “الإيزيديون عبدة الشيطان”، “الدروز أولاد التقمّص والتناسخ” و”المسيحيون مشّركون”، ومع هذه التصورات التعميمية، كان من الطبيعي، أن يسري التوجّس والحذر فيما بيننا، ويُضرب الحصار الاجتماعي، أو تُرتكب جرائم الشرف، عند محاولة أي منا تخطي حواجز الطائفة الكريمة.

ربما كانت رواية ممدوح عزام “قصر المطر” الصادرة عام 1998، هي الأولى التي تناولت حياة طائفته الدرّزية، وأدت إلى إثارة حفيظة شيوخ الطائفة، واتهامه بالزندقة، وكان كتاب “شعاع قبل الفجر/ مذكرات أحمد نهاد السياف”  من تحقيق وتقديم محمد جمال باروت، أول الكتب التي تحدثت عن الطائفة المرشدية في عام 2005، وكانت رواية “درج الليل، درج النهار” لنبيل سليمان الصادرة عام  2006، أول عمل أدبي تطرق لموضوع الديانة الإيزيدية، من خلال شخصية نسائية تدعى ونسة، وكان فيلم “دمشق مع حبي” لمحمد عبد العزيز، الذي عٌرض قبيل اندلاع الثورة السورية بشهر، أول فيلم تحدث عن يهود سوريا، أنتجه القطاع الخاص.

قبل ذلك كانت الشخصية المسيحية موجودة في الأدب والفن، وكانت أفلام “المؤسسة العامة للسينما” على قلتها، نجحت في تصوير بؤس العلويين في أماكنهم النائية، واستطاعت الدراما السورية على سلبياتها، أن تستعرض العديد من البيئات الاجتماعية واللهجات المحكية، وإن كان من منظور سياحي في الكثير من الأحيان، بحيث بدا المشهد الثقافي مع مطالع القرن الحادي والعشرين، وكأنه يسعى في بعض تجاربه إلى فتح حوار خجول، متأخر ومتعثّر بين المكونات الدينية في المجتمع السوري.

وحدها الثورة في سنتها الأولى، استطاعت أن تفتح المجتمع السوري على بعضه البعض، وتجعله يرى ذاته، ويدرك أن لا أساس لتصوراته الخاطئة عن كينونته المتعددة المشارب والمرّجعيات، ويعبّر عن حقيقته الجميلة بشعارات الحرية، الدولة المدنية والشعب السوري واحد، في حين كشف النظام عن مفهومه للتعايش السلمي في السجون والمقابر الجماعية، التي ضمت السوريون من كل الأديان والطوائف، وبالطائرات وراجمات الصواريخ التي لم تستثنِ حرّمة دور العبادة من نيرانها.

ومع العنف الذي واجه المتظاهرين السلّميين، عُسكرت الثورة، وظهر المتشدّدون، ثم بدأت مجازر “داعش”، وعاد الخوف يغلق الأبواب ما بين شركاء الثورة والوطن، حتى بات الحديث عن تقسيم سوريا إلى دويلات طائفية، يشكل واحدا من الحلول المطروحة لوقف الاقتتال الدامي منذ أربعة أعوام، ولو قبلنا جدلا بحل التقسيم، فكم سيكون عدد الدويلات على الأرض السورية؟ ومن سيضمن أنها لن تتقاتل فيما بينها، حتى رمقها الأخير؟ ويقيني أن التقسيم، لن يحمل السلام الأهلي، بل سيكون مرحلة أعتى من مراحل القمع وحروب الإبادة الجماعية.

الدولة مفهوم حداثي، وكيان جامع يقوم على حقوق المواطنة، أما المقترحات الأخرى من الدويلات الطائفية إلى دولة الخلافة، فهي ليست غير محاولة بائسة لإحياء تجمّعات ما قبل الدولة، القبيلة والإقطاع. والثورة أهدتنا فرصة ذهبية لإعادة اكتشاف ذاتنا، وبناء دولتنا المدنية الديمقراطية، التي يحكمها القانون، ومن الحماقة التفريط بهذه الفرصة التاريخية، ليست حماقة فقط، بل خيانة دامغة لكل شهدائنا ومعتقلينا، الذين جاوزا المليون.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 8 آذار 2015 على الرابط

Advertisements