إذا كانت النظم العربية بشقيّها العلماني والديني الأصولي، استطاعت أن تسّتفرد بشعوبها، وتخّضعها لعقود، فلأنها انتهكت حق المعرفة، قبل انتهاك حرية الرأي والتعبير، وأتقنت أساليب احتكار مصادر المعلومات وحجّبها، وفن التجّهيل القائم على استبدال الحقائق الموضوعية بمنظومة شمولية من المسلّمات الثابتة، لا علاقة بممّكنات الواقع ومتغيراته، تلغي حق الاختلاف والجدل في أبسط شؤون الحياة، وتسعى إلى حفظ العلاقات القهرية، واستقرار سلطة مسّتبدة لا بدائل فعلية لها، لأنها وحدها تملك مفاتيح المعارف، وتتحكم بصنّع الرأي واتخاذ القرار. ونظام “البعث” كان الأبرع في هذا السياق، بالنظر إلى عقيدته الضبابية التي لا تقبل التطبيق لانعدام مسوّغات تحقّقها على كافة المستويات.

الوحدة والحرية والاشتراكية وتحرير فلسطين، شعارات وقضايا ملأت قنوات الإعلام الرسمي والوحيد، ودخلت مناهج التدريس، واحتلت منابر الثقافة والتوعية والتوجيه. شعارات براقة وقضايا كبرى بلا سند واقعي، لأنها تتقافز بخطاب دَعوي وعظي، بين ماضٍ مجيد ومستقبل واعد، متجاهلة شرط الحاضر وثغراته. هي أشبه بأحلام يقظة سرقت حياة السوريين، من دون أن يكون لهم ادنى حق في أن يبدوا رأيهم وتصوراتهم حول كيفية إنجاز هذه المسّتحيلات، أو حتى أن يتساءلوا إن كانوا قادرين على انجازها، أم لا؟ بل كان عليهم مع كل فجر جديد، أن يشدّوا أحزمتهم أكثر، ويعيشوا في ضيق أكبر مما كانوا عليه، ان يدفعوا ضريبة الهزائم وإخفاق خطط التنمية، ويصمتوا على نهب الثروات وسرقة الدولة، حتى لا يُتهم أحدهم بالعمالة والتآمر لزعزعة الشخصية القومية وثقافة الممانعة.

اللغات الأجنبية ثانوية الشأن في مدارس الحكومة وجامعاتها، فمن الممنوع الاطلاع على ثقافة الآخرين، أو الحوار معهم إلا بالحدود التي تقي المواطن من ارتكاب الخيانات. العلوم والفيزياء والرياضيات والكيمياء قديمة، ولا يجري تحديثها، وتُدرّس بلا مختبرات تطبيقية، مع أنها المفتاح لفهم أسرار الطبيعة. التاريخ مقطوع، والجغرافية بليدة، والعربية ضحلة ومسكونة بأشباح الماضي، والأسلوب المتبع في كل المواد يقوم على التلقين والحفظ مثل الببغاوات. والنتيجة شخص يجتاز الامتحانات، ويحصل على شهادات من دون أن يملك معارف ولا خبرات تُذكر، وثمة من يشتري هذا التضليل، ويتباهى بتعليقه على الجدار.

المؤهل العلمي ليس له علاقة بالوظيفة، مثله مثل الكفاءة، التعيين في دوائر الدولة له شروطه الأخرى من الولاء والوساطات والرّشى، ولكل مكان ثمنه، فأنت لن تذهب حتى تنتج حياتك بالعمل، وتغنيها باكتساب الخبرة العملية، أنت سوف تستهلك وقتك ووقت المواطنين بترّهات لا علاقة لها بالإنتاج، حتى تستكمل دائرة الخواء الأولى، وتصل سن التقاعد. ولن تفّلت بانتقالك إلى القطاع الخاص أو الأعمال الحرة، كلها دكاكين صغيرة قابلة للإغلاق في أية لحظة تخالف فيها قوانين الفساد. والحلقة المفّرغة تستوفي شروطها بواقع النقابات المهنية والتجمّعات الأهلية، بالمحاكم والقضاء، أحبار على أوراق صفراء، يضيع العمر والمال في متاهاتها، ولن تعرف أبدا ما هي أنظمتها الداخلية، ولا القوانين التي تحكمها، فكل شيء ممنوع ومسموح بالقدر نفسه من دون تفسير ولا ولا تبرير.

الحياة العامة تعمّها الفوضى، وتسير بقوة الدفع الذاتي، وفق آليات وتصورات غامضة، لا تعترف بأهمية المعلومات والأرشفة والتوثيق، ولا تخضع لأي شكل من أشكال المراجعة والنقد الفعلي، أو المحاسبة القانونية. وأمراض النظام تنتقل إلى هياكل المعارضة، بكافة أطرها السرية والمعّلنة، ويمسي الضباب كثيفا، لدرجة تفقد فيها الرعيّة نعمة البصر والبصيرة، وتقبل بالجهّل والمسلّمات ودفع الأتاوات.

هكذا كان واقع الحال في سوريا من دون مبالغات، حتى دخل الستالايت، ثم الإنترنت أواخر تسعينات القرن العشرين، ودخول الأخير كان عسيرا ومحتكرا منذ البداية، ففي عام 1986 بدأت مؤسسة الاتصالات الحكومية بتوسيع الشبكة الهاتفية، بالتزامن مع دراسة مشروع خدمة الاتصال بالشبكة العالمية، ولم يجرِ وضع الخدمة قيد التداول حتى عام 1997، وكانت مقتصرة على القطاع العام حصراً كالوزارات والمؤسسات والجامعات، وبعد عام تأسست “الجمعية المعلوماتية السورية”، وأطلقت مشروع ربط أعضائها ومشتركين آخرين بالإنترنت عام 2000، ومع بداية الألفية الثالثة أضحت الشبكة العنكبوتية متاحة للعموم، إن استطاعوا شراء جهاز الكومبيوتر، وتسديد نفقات الاشتراك، وأغلبهم شعر بالعجز، لغلاء المعدّات مقارنة بمتوسط الدخل.

عام 2001 أُقر قانون المطبوعات رقم خمسين، وأتاح للدوريات الخاصة إمكانية الصدور بعد حظر دام نحو الثلاثين عاما، وحتى عام 2007، تم الترخيص لمئة وواحد وخمسين مطبوعة خاصة، تنوعت ما بين الجرائد والمجلات الورقية أو الإلكترونية، وتوزعت مابين الإصدارات الشهرية والأسبوعية واليومية، أغلبها أخذ طابع الدوريات الاجتماعية المنوّعة، وبعضها اختص بمجالات محددة كالاقتصاد والسياسة والطب والمعلوماتية.

وكان من مسالب قانون الإعلام الجديد، أنه فرض شروطاً شبه تعجيزية للسماح بترخيص دورية سياسية، وفرض أحكاما بالسجن قد تصل إلى ثلاث سنوات، وغرامات تصل إلى عشرين ألف يورو على أي صحفي يخطئ. فيما تجاهل أمر إنشاء المحطات التلفزيونية والإذاعية الخاصة، وتركها رهن أنظمة المناطق الحرة، وتحت إشراف وموافقة وزارة الإعلام، التي لا تمنح الترخيص لقناة سياسية أو إخبارية، وتسمح (نظرياً) لقنوات إعلانية وثقافية وتجارية ودرامية، ومن بين أربعة عشر طلب ترخيص، منحت الوزارة موافقتها لمحطتيّ “الدنيا” و”سوراقيا”.

في ذاك الانفراج المعلوماتي والإعلامي الجزئي، والمشّروط بالقوانين المقيّدة لحركته، ظلّ الإعلاميون بلا حماية فعلية، ولا حق في حرية الحصول على المعلومات، والتكتّم على مصادرها، سواء أولئك الذين يعملون في قنوات الإعلام المحلي، الرسمي والخاص، أو أولئك الذين يعملون للقنوات الخارجية، فمن خلال قانون الطوارئ ظلّت أجهزة الأمن قادرة على استدعاء من تشاء منهم، والتحقيق معه بدون الحاجة لمذكّرة قضائية، وظلت قادرة على سحب تراخيص المطبوعات، وحجب مواقع الإنترنت، حتى اختفت من شبكتنا العتيدة مواقع مثل Hotmail وyahoo وكل مواقع التواصل الاجتماعي، والمواقع التي تنتقد سياسة النظام.

وعلى الرغم من كل التعقيدات والتهديدات والممنوعات، التي أحاقت بذاك الانفتاح المتواضع، فقد ترك آثاره الإيجابية على أداء الإعلام السوري، الذي بدأ يكتسي ببعض المرونة والنقد، وأدى إلى توسيع هامش الحياة الثقافية والمشاريع المختلطة مع شركاء أجانب، كما ظهرت الحاجة إلى شيء من التوثيق والأرشفة ولو بالحدود الشكلية. والأهم بدأ الخرق المعرفي يجتاح سلّم المسلّمات والتابوهات، سيما السياسية منها، وتحديدا لدى شريحة من الشباب، تبلور وعيهم أمام شاشات الاتصال، وعرفوا كيف يتخطون حاجز اللغة، ويكسرون أساليب الحجّب، ويستفيدون من دفق المعلومات، لإنتاج تصوراتهم الجديدة عن دولة القانون وحق الاختلاف والحراك المدني السلمي، إن كان عبر مدوّناتهم، أم عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

هؤلاء سوف يطلقون شرارة الثورة السورية، ينسّقون التظاهرات السلمية، ويقفون في مقدمتها، ينّشطون لتوثيق يوميات القتل والاعتقال، وينشروها على قنوات البث الخارجي. وسوف تحاول الدولة احتواء حراكهم، وتدّجينه بالترّهيب وبعض الإصلاحات الشكلية، وحين تشعر أنها لن تفلح، ستبدي وحشية لا مثيل لها، لتشتيتهم وقتلهم في طريقها لوأد الخرق الذي أحدثوه في بنية التابوهات والاحتكار المعرفي، وسوف تعيد بناء المسلّمات الشمولية بصورها الأكثر فجاجة وتضليلا، عبر إعلام يقوم على إنكار ما يجري، وتلفيق رواية موازية له، تدعي الممانعة، وحماية البلاد والعباد من المؤامرات الخارجية.

ولن يكفي هؤلاء النشطاء قمع السلطة الحاكمة، بل ستتحد ضدهم كل الأطر العقائدية الشمولية، بمن فيها الفصائل الإسلامية المقاتلة التي رفعت رايتها السوداء، واختطفت وقتلت منهم ما عجزت الدولة عن فعله، كخطف الناشطة الحقوقية رزان زيتونة وفريق عملها في “مركز توثيق الانتهاكات”، من داخل مناطق الغوطة الشرقية المحرّرة، في الشهر الأخير من عام 2013، العام الذي سجّل مقتل مئة وثمانية وأربعين إعلاميا، على يديّ النظام والمعارضة المسلّحة.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 20 نيسان 2014 على الرابط

Advertisements