خلال ما يزيد عن أربعين عاما من عمر الحركة التصحيحية، بعهديها المباركيّن الأب والابن، كان المساس بشخص الرئيس، واحدة من أكبر الكبائر، صورته وتماثيله في كل مكان، تذكرنا بواجب الطاعة العمياء، دون أن نجرؤ على ذكر اسمه، هو سيدنا الأبدي المفدّى، ونحن في حضرته القرابين، التي لا تعارضه، ولا تعترض على أي من سياساته الحكيمة. لكن الثورة السورية، أطلقت كل ما في جعبة السوريين من نُكات خبيئة، على كل ما يتعلق بسيادة الرئيس، وروح السخرية السوداء، التي سرت في اللافتات والأغاني والرسوم والنصوص، كانت التعبير الأصدق عن حجم القهر والألم، الذي راكمته القلوب، وعن مطالب الجماهير المعلّقة منذ سنين باسم الشعب.

من هذا المشهد الكوميدي العائم، على وطن من الضحايا والحيوات المؤجلة، ينطلق كتاب خطيب بدلة “قصص وحكايات وطرائف من عصر الديكتاتورية في سورية”. العنوان الطويل، واضح وصريح، يشي بمضمون الكتاب، ويلخّص محتواه، والمؤلّف في سياق المتن، هو الراوي من موقعه كشاهد، أو ناقل لمجموعة  القصص والطرائف التي يودعها صفحاته، وتتوزع على ثمانية عشر فصلاً: “من هنا كانت البداية”، “طرائف إعلامية”، “القانون” مرورا بـ”طرائف ثورية”، “الحاشية الكريمة”، إلى “جناح خاص بأنصار النظام” والخاتمة. وقبل ذلك تبدأ التفاصيل من وثائق الشرف، التي تثّبت ورود اسم خطيب بدلة في قائمة الممنوعين من السفر، لأنه معارض شريف، شارك في مفاوضات مع النظام، ونحج في عقد هدن قصيرة ومصالحات “طيارة”، ولا يريدون أن يخسروه -بحسب رئيس فرع الأمن- ثم ورود اسمه في قائمة المطلوبين لفرع الأمن العسكري بإدلب، بتهم التحريض ضد الدولة، والتحريض على التظاهر بشكل قوي، والتواصل مع القنوات الفضائية.

في الاستهلال يكتب المؤلف “حُكمت سورية منذ استيلاء الجنرال حافظ الأسد على السلطة يوم (16/11/1970) وحتى تاريخ تحرير هذا الكتاب، من خلال تحالف قوتين جبارتين هما: قوةُ الأجهزة الأمنية التابعة لمجموعة الأسر الحاكمة، وقوة الإعلام، فالأجهزةُ الأمنية تُرَاقِبُ، وتتنصت، وتَعْتَقِلُ، وتَسْجُنُ إلى آجال غير مسماة، وتُطَارِدُ، وتُشَرِّد، وتُصَفِّي، وتَقْتُل، وتُمَثِّلُ بجثث المواطنين السوريين المعترضين على هذا النهج، والأجهزةُ الإعلاميةُ تختلقُ الأكاذيب التي تموه الحقائق، وتَخترع وتُفَبْرِكُ أكاذيبَ موازيةً لها…. ولأجل تحقيق هذه المعادلة التسلطية، القائمة على كذب مكشوف، غير مشوب بأية شائبة من صدق، فقد عمدت السلطة “الأمنية/ الإعلامية” إلى التعتيم الإعلامي الشامل، ومنع أي إعلام خارجي حر من دخول البلاد، وحَصَرَتْ عملية السماح بإنشاء مؤسسات إعلامية داخلية خاصة برجال تثق بهم، أغلبُهم مسؤولون متقاعدون، أو أبناءُ ضباط أمنيين سابقين مشهود لهم بالولاء للنظام،.. وحتى المراسلون الذين تعتمدهم الصحف والمحطات التلفزيونية العربية والعالمية، فلا يمكن لهم أن يعملوا في سورية، إذا لم يكن معهم «o.k» ليس من وزارة الإعلام السورية، وإنما من إدارة المخابرات العامة، أو أية جهة أمنية كبيرة أخرى” (ص11-12).

ويوم قتلت الأجهزة الأمنية الفتى حمزة الخطيب، صدّر الإعلام السوري رواية تقول، إن الفتى والشيخ الصياصنة، كانا ذاهبين لاغتصاب نساء الضباط، حينما أُلقي القبض عليهما (ص15) ولهذا اعتمدت الثورة منذ اليوم الأول لانطلاقتها، الهتاف: “كاذب، كاذب، كاذب، الإعلامي السوري كاذب” (ص19)، وبهذا الخصوص يرى المؤلف أن التعتيم الإعلامي والتضليل، جعل كل مواطن سوري محللا سياسيا استراتيجيا، بحكم متابعاته اليومية للقنوات الإخبارية، ليعرف حقيقة ما يجري.

فصول الكتاب تتندر على الواقع السياسي والإعلامي بشكل أساسي، بلغة بسيطة ومختزلة، أقرب إلى لغة القول، وعبر موضوعات تتناول أحداثا هامة عاشها البلد، القوانين التعسفية، حالة الطوارئ، بعضا من رجالات الطغمة الحاكمة، عنف الأجهزة الأمنية، والتصريحات الإعلامية، كما تتناول مفارقات الثورة، ودور المتظاهرين في زعزعة هيبة النظام، ويندرج الموضوع الواحد ضمن عدة عناوين فرعية، مستقلة بذاتها، تأخذ أشكالا مختلفة من التمهيد والسرد، إلى التعليق والتعقيب، فحدث وفاة القائد الأبدي على سبيل المثال، نقرأه في عدة مواضع وأشكال: “في العاشر من حزيران/ يونيو 2000، توفي حافظ الأسد، بعد ثلاثين سنة من الظلم، والاستبداد، والبطش، وإلغاء الحياة السياسية، ومحق الرأي المعارض، وتطويع الناس، وقهرهم، وإرغامهم على عبادته. مات وفي رقبته أكثر من مئة ألف قتيل من الشعب السوري، عدا الذين صرفوا القسم الأكبر من أعمارهم في سجونه ومعتقلاته”، ويعقبّ أحدهم على الحدث: “عشر سنوات وهو ميت، ولم نفرح بموته ولا ثانية!!”، ويكتب مروان علي على صفحته الفيسبوكية بهذه المناسبة، عام 2013: “حين قالت زوجتي، وأنا أفتح باب بيتي الصغير في أمستردام، مات حافظ الأسد، بكيت… من الفرح” (ص93).

بتناوله أحداث وشخصيات ونُكات، تداولها السوريون سرا وجهارا، في مرحلة ما قبل الثورة، ومن بعدها، لا يضع المؤلف جديدا بين يدي القارئ، إنما يحاول أن يرسم فضاء متكاملا للفكاهة الشفاهية السياسية، خلال أربعة عقود من الصمت حتى الانفجار، يحاول أن يكتب التاريخ بالطرفة ومفارقات الحياة، وأن يقدّمه في ما يشبه الوثيقة المكتوبة للأجيال القادمة، وهو لهذا الغرض يستخدم صوت الحكواتي، وأسلوبه في القص، غير أن حكايا بدلة ليست من الماضي، ولا تدور حول سير الأبطال، بل تعبّر عن لسان حاله وحال الضحايا والمهمّشين، ففي حكاية “صورة المعلّم” يكتب: “يعتقد محسوبكم أنّ سوريا هي الدولة الوحيدة في العالم، التي تسمح لبعض أبنائها بلصق صور رئيس الجمهورية على الزجاج الخلفي للسيارات الخاصة والعامة” (ص66). والروّاد الأوائل كانوا يكتبون تحتها “هكذا تنظر الأسود”، ويضعونها كي يتمكنوا من مخالفة القانون، والقيام بعمليات تهريب وسمسرة وتشبيح، من دون أن يجرؤ أحد على إيقافهم.

في ذات السياق يروي طرفة عن ضابط أمن سوري ذهب إلى إسرائيل، بجواز سفر مزوّر، ومهمة استطلاع وتجسس على العدو، وبعد يومين ألقى الموساد القبض عليه، لأن الضابط المذكور فعل كل ما من شأنه إيهام الإسرائيلين بأنه يهودي، ومنتم إلى الحركة الصهيونية، وإمعاناً منه في إثبات حسن النية, اشترى سيارة خاصة، ولصق على زجاجها الخلفي صورة “بنيامن نتنياهو مع أخويه”، وكتب تحتها: “هكذا ينظر النواتهة” (ص67-68). ومع الثورة صارت الطرفة واقعا، فبتاريخ 22 كانون الثاني 2012، أعلنت الجامعة العربية مبادرتها المتضمنة تنحي بشار الأسد، ونقل السلطة إلى نائبه فاروق الشرع، فألصق السوريون صورة الشرع على زجاج السيارات الخلفية، وكتبوا “هكذا تنظر الشروع” (ص68).

“ارحل” كانت أول كلمة في سِفّر الثورة، نطقها المتظاهرون، وهزّت بالفعل عرش الرئيس، وعلى جرأتها الوقحة استحقوا كل أنواع التنكيل، ولهذه الكلمة، وغيرها من الشعارات واللافتات التي استهدفت هيبة النظام، يفرد الكاتب عددا كبيرا من الصفحات والحكايا،  بدءا من تلميذة المرحلة الابتدائية التي رفعت لافتة “ارحل أريد أن أرجع إلى مدرستي” والأخرى التي كتبت “ارحل حتى استطيع أن أفهم دروسي” وأغنية القاشوش “ياللا ارحل يا بشار” (ص41) ، مرورا بدعاء الصائمين في أول رمضان حلّ بعد الثورة، مطلع آب 2011 “اللهم أعنّا على الصيام والقيام وإسقاط النظام”، وصولا إلى شعار أهالي كفرنبل “نرحب بأي جيش، عدا الجيش الإسرائيلي، والجيش السوري” (ص51)، لكن الشاب “ميم” لم يرفع أيا من هذه الشعارات المسيئة، فقط رفع لافتة، كتب عليها “أنا أحب سوريا” في أول أيام الثورة، وهذا يعني أنها مظاهرة غير مرخّصة، أدت أن يُعتقل وينال تعذيب أصحاب الأخدود، ويصير بعد خروجه من السجن، أحد قادة الكتائب المسلحة.

تنتهي القصص، ويبقى فساد النظام وبطشه، في سلسلة من مفارقات القهر، الذي لا يرغب أن يسقط عن كاهل السوريين، ففي تاريخ 16/11/2011 قال محي الدين لاذقاني على قناة الحوار “كل دولة في العالم تمتلك جهاز أمن، أما في سورية، فيوجد جهاز أمن يمتلك دولة” (56) و”المواطن في الدولة الأمنية -بحسب طيب تيزيني- معتقل تحت الطلب” (ص131) و”إذا أردنا أن نتوخى الدقة في الكلام، يجدر بنا ألا نكتفي بالقول، إن النظام الديكتاتوري العائلي السوري، حكم البلد أربعين سنة بموجب قانون الطوارئ، والأحكام العرفية، بل يجب علينا أن نؤكد على أن النظام بحد ذاته، شيء طارئ وحكم عرفي، بل إنه نوع من أنواع القدر الذي لا رادّ له” (ص166).

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 23 آذار 2014 الرابط

“قصص وحكايات وطرائف من عصر الدكتاتورية في سوريا” في 192ص قطع متوسط، الكاتب: خطيب بدلة، الناشر: دار نون/ رأس الخمة/ الإمارات العربية المتحدة، ط1 2014

Advertisements