في الجولة الأولى من مفاوضات “جنيف2″، قدّم وفد “الائتلاف” صور التعذيب الوحشي في السجون السورية، وفي الثانية عرض وثائق، تثبت علاقة النظامين السوري والإيراني بـ”داعش” و”القاعدة”،  وما من عاقل يشك، أن أجهزة الاستخبارات الغربية بمراصدها الجوية والبرية والبحرية، ورجالها المنتشرين في كل مكان من العالم، لم تكن قادرة على اكتشاف تلك الحقائق المروّعة من قبل انعقاد المؤتمر، مع ذلك كانت المعلومات الواردة في الوثائق خطوة تكتيتية لافتة، استطاعت أن تحرّك الرأي العام العالمي، ولم تقدر أن تشكل ورقة ضغط على الجانب الآخر، وإذا كان وفد “الائتلاف” أبدى مرونة كبيرة في سلوكه التفاوضي، فلم تكن مرونة القادر على فرض التسوية، إنما مرونة العارف مسبقا بفشل المفاوضات.

في الجولتين تجاهل الوفد “الحكومي السوري” الوثائق، وأنكر ما بداخلها من معلومات ومسؤولية وتبعات، وألحّ على فتح ملف الإرهاب، قبل مناقشة تفاصيل هيئة الحكم الانتقالية، بينما استمرت البراميل المتفجّرة بالسقوط على رؤوس السوريين، وثلث المدنيين الذين تم إجلاءهم من حمص في الهدنة المزعومة، وقعوا رهن الاعتقال، وانتهت الجولة الثانية بتطويق يبرود، وهجرة معظم أهاليها صوب عرسال اللبنانية.

الروس الذين وعدوا بالضغط على النظام السوري من أجل التفاوض على تشكيل الحكومة الانتقالية، تراجعوا عن وعدهم، وعادوا إلى موقفهم السابق بعدم التدخل لإطاحة رأس النظام، فهذا شأن داخلي لن يحسم أمره سوى السوريين بأنفسهم، وإلى حينها سيستمرون بتقديم كل أشكال الدعم المادي والمعنوي للسلطة الشرعية، وسيرفعون الفيتو في مجلس الأمن لتعطيل أي قرار ملّزم، من شأنه أن يلبي أيا من حق السوريين في أن يبقوا على قيد الحياة، ومن على قناة الجزيرة صرّح الصحفي الروسي المخضرم فاتيسلاف ماتوزوف: “تنحية الأسد عن السلطة مجرد أحلام”، وعلى العربية، قال: “البراميل المتفجرة موضوع إعلامي”.

أصدقاء الشعب السوري أدانوا بشدة الجرائم الواردة في الوثائق التي عرضها “الائتلاف”، واتهموا “الوفد الحكومي” بتعطيل المفاوضات، ونظام الأسد بمغناطيس الإرهاب، وراحوا يتشاورون فيما بينهم لإيجاد صيغة تقبل بها روسيا، من أجل الضغط على النظام السوري للوفاء بتعهداته في البت بتشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات كاملة، بينما اكتشف الإبراهيمي أن الأزمة السورية في نفق مظلم، واعتذر من السوريين لفشل المفاوضات، في حين أوضح الممثل البريطاني الخاص بسوريا جون ويلكس، أن أهمية جنيف2 تكمن في مد جسور الحوار بين كافة الأطراف السورية والإقليمية والدولية؟! وهو ما يمكن تسميته بسياسة النأي بالنفس، ووضع القضية السورية من جديد بين مطرقة الروس والسندان السوري، أي العودة بها إلى المربع الأول، وهو الحل العسكري، ما يستدعي طرح العديد من الأسئلة على كافة اللاعبين.

إذا كان تفجير سيارة مفخّخة، أو عمل انتحاري في مكان آهل، يوقع عددا من القتلى والجرحى، هو إرهاب، فماذا نسمي البراميل المتفجّرة، واستخدام الأسلحة المحرّمة، القنص وتجويع المحاصرين، الإعدامات الميدانية والمجازر الجماعية، تخريب البنى التحتية، قصف المشافي والمدارس ودور العبادة، الخطف والقتل على الهوية؟ هذه ليست مجرد انتهاكات لحقوق الإنسان، وليست فقط جرائم حرب، هذا إرهاب منظّم وممنّهج ضد المدنيين العزل، ووفد النظام محق بأن “قوى الائتلاف” أو أية حكومة انتقالية، لن تستطيع وقف هذه الممارسات، فمحاربة الإرهاب هي مسؤولية دولية. إذن لماذا لا يتم فتح ملف الإرهاب تحت مظلة “هيئة الأمم المتحدة” والدول الكبرى، لتحديد مفهوم الجريمة الإرهابية، وإحالة المتورطين من كافة الأطراف المتحاربة إلى المحكمة، وإخراج جميع الإرهابين العرب والأجانب من سوريا؟.

لماذا يوضع الملف السوري لدى الروس؟ مع أنهم أكثر دبلوماسي العالم جمودا وفشلا في العصر الحديث، فحين كان الاتحاد السوفيتي قوة عظمى، ومن خلفه تقف المنظومة الاشتراكية ودول عدم الانحياز، لم يستطع منع الجيش السوري من دخول لبنان، ولم يستطع الضغط على النظام السوري من أجل الإفراج عن شيوعي واحد من معتقلاته، لم يفعل شيئا من أجل حليفته الثورة الفلسطينية، قضى على الربيع التشيكي، دخل بجيوشه إلى أفغانستان وأخرجه طالبان. اليوم ماذا ستفعل روسيا بعد أن لم يبقَ من قوتها الكثير، ولم تعد دولة متفوقة لا اقتصاديا ولا علميا، وهي لم تبدِ أية مصداقية، ولا مرونة سياسية أو دبلوماسية في مواقفها أثناء المفاوضات والمشاورات مع جميع الدول، وكافة أطراف الصراع في سوريا؟ كيف ستملك مفاتيح الحل، ولماذا تورط النظام السوري بالمزيد من الدم؟.

ثم لماذا الإصرار على تسمية ما يجري بـ”الأزمة السورية” أو الاقتتال الطائفي والأهلي؟! هذا شكل من أشكال التسويف والتضليل، الكل يعلم أن ثمة حرب طاحنة تدور رحاها على الأرض السورية، يشارك فيها مسلحون من كل أنحاء العالم، مسلّحون ليس لهم صلة بثورة الشعب السوري وتطلعاته، وليس لهم علاقة بـ”الجيش الحر”، هدفهم تشويه الثورة السورية، وإطالة أمد الصراع الدموي، فالساحة السورية أضحت سوقا مغرية لتجار السلاح والدم من كل بقاع العالم، والغريب هنا أن كل الأطراف المتحاربة يتم تسليحها، عدا “الجيش الحر”.

مشكلة المتظاهرين كانت الرصاص الذي يُفتح على صدورهم العارية أثناء احتجاجاتهم السلمية، وحين عصى الجنود الأوائل الأمر بإطلاق النار، وانشقوا عن الجيش النظامي، لم يرغبوا في إعلان الحرب عليه، قاموا فقط بحماية المتظاهرين، وتأمين حركة الإعلاميين المؤيدين للثورة، سوريين وعربا وأجانب، نقلوا الجرحى إلى المشافي الميدانية، ودفنوا القتلى، حموا الممتلكات من السرقات، وقاموا بتصفية “العواينة” أي جواسيس النظام، وبعملهم وأخلاقهم كسبوا محبة أهالي المناطق الثائرة ودعمهم، وكان ثمن هذه العلاقة قصفهم براجمات الصواريخ والطائرات، واتباع سياسة الحصار وقطع الإمدادات والخدمات، وتصاعد العنف أدى إلى انخراط المنشقين في كتائب وألوية شكلت نواة “الجيش الحر”، والمزيد من عنف النظام لإخماد جذوة التمرد دفع “المجلس الوطني السوري” إلى مطالبة المجتمع الدولي بتسليح “الجيش الحر”، وحظر الطيران الجوي.

قامت ألوية “الجيش الحر” بالإستيلاء على معظم المعابر الحدودية، ومناطق واسعة متاخمة للشريط الحدودي مع تركيا، تمهيدا لفرض الحظر الجوي، وتشكيل مناطق آمنة لخروج المدنيين النازحين، وتأمينهم داخل الأراضي السورية، وبعد مرور ثلاث سنوات على الثورة، لم يصدر قرار الحظر، ولم يجرِ تزويد ألوية الحر بمضادات الطائرات المتطورة، تُركت لحتفها في معركة طاحنة، مع خصمها التقليدي وخصومها المستجدين، وفيما كان الحوار يدور حول الحل السياسي، كانت المعارك تبتلع العباد والبلاد.

كل الوقائع تشير أن جيش النظام سيستمر بالحرب، وألوية الحر ستقاتل، حتى يقضي آخر جندي سوري، ولا يبقى على أرض المعركة سوى “القاعدة”، و”داعش” اللذين سوف يتناسلان تنظيمات جديدة وحروب لا تنتهي، ومثل الكولا والجينز سوف يعبر الإرهاب الحدود والقارات، ويبتلع الشرق الأوسط بصيغته القديمة وحلته الجديدة، وحين يبدأ معركته في الدول الغربية، وتصبح الأمهات ثكالى والزوجات أرامل، سوف يهرول قادة الدول الكبرى، ويفكرون مليا بحل الأزمة السورية.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 23 شباط 2014 على الرابط

Advertisements