في كتاب “الروضة الغناء في دمشق الفيحاء” لمؤلفه نعمان أفندي قسطالي نقرأ توصيفا تفصيليا ومنهجيا لما كانت عليه الحياة الدمشقية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وظهر الكتاب للمرة الأولى عام 1876، وأُعيد طبعه مرتين في العام 1974، وفي العام 2007 من تحقيق وتقديم خيري الذهبي، أما المؤلّف القساطلي فهو من مواليد دمشق عام 1854، وقد أصدر كتابه هذا وهو في الثانية والعشرين من عمره، كذلك كتب في مجلة “الجنان” لبطرس البستاني و”لسان الحال” لخليل سركيس، وألّف كتابا آخر لم يُطبع بعنوان “مرآة سورية وفلسطين” ونسب له الدكتور عبد الكريم غرابة كتاب “جسر اللئام عن نكبات الشام” غير أنه لم يصلنا، كما أنه كان واحدا من أوائل القصاصين في سورية، وقد توفي عام 1920.

واللافت هنا أن المؤلّف أتّبع في كتابه هذا منهجا علميا قلّما نجده عند الباحثين العرب المعاصرين من حيث تصنيف الوقائع والمعلومات وفرزها في خمسة عشر فصلا، وإعطاء نبذة تاريخية عن الموضوع الذي يتناوله في كل فصل، ومن ثمة الانتقال إلى واقع الحال، مع التأكيد على الإحصائيات التي تيسرت له في زمنه، وتبدأ أولى الفصول بالحديث عن سورية باعتبارها الحاضنة الأم، ثم تنتقل إلى دمشق فترصد موقعها الجغرافي حسب خطوط الطول والعرض، أسمائها وألقابها وتاريخها وسكانها، ثم تتوقف عند أبنية دمشق ومياهها ومنتزهاتها وأشجارها وهوائها ومعارفها وصنائعها وتجارتها، ومن بعد تتناول أهم رجالاتها الهامين من المسلمين والمسيحيين، وفي الختام تفّرد فصلا للتقريظات أو المدائح التي أثنى بها معاصرو المؤلّف على الكتاب، ومنذ المقدمة أكد القسطالي على الموضوعية وعدم الانحياز بقوله إن كتابه: “حوى زبدة أقوال الرواة العدول دون عدول يجيء به تعصب ديني أو ميل عرضي” (ص13).

في جغرافيا الشام

تحت هذا العنوان كتب القسطالي: الشام واحدة من أقدم بلاد العالم، وكانت في الأزمان الغابرة ذات شهرة عظيمة وعمران فائق، وقد سماها الأقدمون سوريا، وقسموها إلى سورية وفلسطين، أما الرومان فسموا القسمين سوريا، ولما استولى العرب المسلمين على هذه البلاد في حوالي سنة ستة مئة وأربعة وثلاثون مسيحية سموها شاما، وذكر علمائهم أسبابا كثيرة لهذه التسمية، فقال الحافظ السهيلي في كتابه “التعريف والأعلام” الشام بالسريانية الطيب، سُميت بذلك لطيبها وخصبها، وقيل سُميّت بسام بن نوح، واسمه بالسريانية والعبرانية شام، وقيل سُميت شاما لأنها عن شمال الكعبة، وقال صاحب القاموس سُميت بذلك لأن قوما من بني كنعان تشاءموا إليها أي تياسروا، وقيل لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود، إلى غير ذلك من الآراء، والشام مؤنثة، وقد تّذكر وفيها لغات الشام والشّأم والشآم.

بعد ذلك يتحدث المؤلف عن الحدود والصادرات والثروات الطبيعية، وينتقل إلى السكان، فيقول: أما سكانها فأقوياء البنية، بيض الألوان، مؤلفون من أنواع عديدة، ويتدينون بأديان مختلفة، وبعض أديانهم لا وجود له في غيرها كالديانة الدرزية والنصيرية والإسماعيلية.

في موقع دمشق

وجاء في معرض حديث المؤلف عن دمشق: هي أكبر مدن سوريا وفلسطين وموقعها في أواسط سوريا، وهي إلى الشرق بانحراف إلى الجنوب من مدينة بيروت، وتعلو عن سطح البحر 3400 قدما، ومحيطها تسعة أميال ونيف، وهذه المدينة كثيرة المياه والبساتين وموقعها في سهل خصيب في غوطة تعد من أجمل جنات الدنيا، وإلى شمالها جبل قاسيون، فيها كل انواع الفواكه والبقول، وكل ما تشتهيه النفس من مأكول ومشروب ومشموم ونزهة وانشراح، وتلقب دمشق بجيرون وحلق والفيحاء، وسكانها حاليا مؤلفون من عرب وأتراك وأكراد ومغاربة وفرس وأرمن وسريان وإفرنج، ولهم مذاهب عديدة، ولم يتفق المؤرخون على من بنى المدينة، فذهب يوسيفس بناء على رواية عن مؤلف دمشقي قديم اسمه نيقولاوس أن بانيها دامشقيوس بن كنعان، وذهب غيره إلى أن بانيها جيرون بن عاد ابن إرم، وكان بناؤها على عمد من رخام، وقيل وجد فيها من آثار بناء جيرون أربع مئة ألف وأربعون ألف عمود من الرخام، وهذا يتطابق مع الإشارة إليها بالقرآن الشريف بقوله: “إرم ذات العماد”، وقال آخرون بان بانيها اليعازر غلام إبراهيم الخليل، وارتأى آخرون بان بانيها غلام اسكندر الكبير، وغاية ما عرفناه أن المدينة قديمة العهد، وُجدت قبل زمن ابراهيم الخليل حسب شهادة التوراة، وعليه تكون دمشق قد بُنيت منذ أكثر من 3791 سنة.

وحول تاريخ المدينة يذكر المؤلف: خضعت دمشق للسلاطين العثمانيين، وأول من دخلت في ملكه السلطان سليم الاول وهو الذي أخذها من ملوك مصر، وبعده السلطان سليمان الثاني وبعده بقية السلاطين، ولا يخفى أنه بعد انحطاط قدر انطاكية العظمى نقل البطاركة كرسيهم إلى دمشق عام 1529، ولما فتح ابراهيم باشا سورية جعل دمشق عاصمتها، وأقام فيها مجالس القضاء وشجع الإصلاحات كتعميم زراعة توت الحرير وتنشيط الصنائع وترويج التجارة والحفاظ على الامن وضرب الفساد، وإلى عهده كان الأجانب يمنعون من دخول دمشق، فألغى المنع واخذ السيّاح يتقاطرون عليها، وأتاها اول قنصل اجنبي وكان إنكليزي، وفي أيامه دخل إليها مرسلو البروتستانت وقد أنشأوا فيها وفي قراها عدة مدارس، وفي سنة 1873 دخل دمشق الرهبان اليسوعيون، واخذوا يشتغلون بنشاطهم المعتاد، وفي عام 1852 أتى دمشق اول هواء أصفر من جهة الحجاز، وفي عام 1860 امتدت فتنة جبل لبنان إلى دمشق وجرت مذبحة النصارى.

الأبنية والأسواق والخانات

بعد التطرق إلى تاريخ المدينة وحاضرها يقودنا القسطالي إلى جولة في أحياء دمشق ومرافقها العامة، يدخلنا إلى البيوت والحمامات والأسواق والخانات، ومن خلال ذلك يصوّر لنا طرز العمارة وأنماط العيش ومستوى الحياة وطقوس الفرح، وفي فصل الأبنية يقول: أبنية هذه المدينة شاهقة متصلة ببعضها البعض حتى كأن المدينة كلها بناء واحد، وهي مبنية بحجارة بسيطة من وجه الأرض إلى ما فوق بثلاث أو أربع أذرع من لبن أو لبن وخشب، وكلها مأزورة بطين وشيد (الكلس أو الحوار) ولا منظر لها من الخارج، وأما من الداخل فهي دور فسيحة مزخرفة، وفي صحنها برك محفوفة بالأشجار والنباتات العطرية، فلنساء دمشق غرام زائد بالأزهار، وهي مفروشة بفرش جميل حسب اقتدار صاحبها بحسب الطراز الشرقي من مقاعد ومساند وسجاد وبسط، غير انه في السنين المتأخرة فرش بعض الاغنياء بيوتهم بالاثاث الغربي، ومن أشهر دور المدينة القديمة دار عبد الله بك العظم، واقعة بطرف سوق البزورية الشمالي، وقيل أن بها ثلاثمئة وستين حجرة بين سفلية وعلوية، وقد بُنيت منذ أكثر من مئة وعشرين سنة، ويقصدها اليوم أهل السياحة للفرجة.

وفي فصل الأسواق يذكر المؤلف أنها كثيرة العدد، وهي على نوعين مجموعة ومتفرقة وتحتوي على 690 دكان، والأسواق المجموعة يُطلق عليها اسم المدينة، وهي أسواق عريضة مستقيمة جميلة ومسقوفة وفيها كثير من والحمامات والجوامع وقليل من القهاوي، ويجتمع فيها أصحاب التجارة وأرباب البيع والشراء والأغنياء، وتباع فيها الاقمشة والبضائع الثمينة وغيرها، ومنها “سوق العلبية” يعملون بها العلب الخشبية وما اشبه، و”سوق الدقاقين” وبها يدقون الاقمشة الحريرية، و”سوق باب البريد” وهي اجمل اسواق المدينة كلها، وبها تباع المنسوجات المحلية والافرنجية، ولا تخلو من مئات بل ألوف الناس يوميا، وفي وسطها قبة شاهقة قائمة على أعمدة عظيمة عليها كتابات كثيرة بالعربية والكوفية.

وفي دمشق ما ينيف عن مئة وعشر “قهاوي” منتشرة بأنحاء المدينة، ومنها ما يسمونها كازينات، وهي في سوق الخيل والمرجة والصوفانية، وثمن فنجان القهوة في بعضها عشرين بارة، وعشرة بارات في البقية، وعدد الخانات 139 وهي على نوعين، نوع يختص بأصحاب التجارة، وهو في المدينة، وأشهرها خان أسعد باشا، ونوع للدواب وإواية المكارين وبعض الفقراء، وهو متفرق في كل الأنحاء، ولا تزيد أجرتها عن 15 غرشا في الشهر، وليس في دمشق إلا لوكندة واحدة هي للمرحوم ديمتري كره في سوق الخيل، وهي جميلة ومرتبة أجرتها خمسين غرشا في اليوم.

وقد أجمع الذين ساحوا في جميع أنحاء الممالك العثمانية على تفضيل حمامات دمشق لنظافتها وجمالها ورخصها، وعددها 58 حماما متفرقة في جميع أنحاء المدينة، وترتيبها واحد، فالحمام يقسم إلى دائرة خارجية في وسطها بركة مستديرة ينسكب منها الماء من أربعة أو خمسة أنانبيب، وحولها مصطبات يخلع عليها المغتسلون ثيابهم، ويُقدم لهم ما يلزمهم من البشاكير والمناشف، أما سقف دائرة الاستحمام فهو عقد ذو نوافذ صغيرة ومستديرة يغطيها بلور، وسقف الدائرة الخارجية قبة شاهقة.

الأبواب والمعابد والمدارس

وبعد تناول الحياة المدنية في دمشق ينتقل القسطالي إلى هيكل المدينة والحياة الدينية والعلمية فيها، فيقول: تُقسم المدينة إلى قسمين نظرا للقديمية، قسم داخل السور قديم جدا، وله ثمان أبواب، وقسم خارج السور بُني في العصور الإسلامية شيئا فشيئا، كالشاغور والميدان والبحصة والقناوات، وللقسم القديم ثمانية أبواب، هي: من الشمال باب توما وباب السلام وباب العمارة أو باب الفراديس وباب البوابجية أو الفرج، ومن الغرب باب السرايا وباب الجابية، ومن الجنوب باب الشاغور وهو المعروف بالباب الصغير، ومن الشرق الباب الشرقي وهو من زمن الرومانيين.

والجوامع في دمشق كثيرة تبلغ 153 جامعا فضلا عن مقابر الأولياء والمدارس التي تقام فيها الصلاة، وأشهرها الجامع الأموي الذي بناه ابن عبد الملك ابن مروان عام 89 و96 هـ . وكل يوم يجتمع به عدد كبير من العلماء والمدرسين والأئمة والسامعين والقارئين، وله خمسة وسبعون مؤذنا يتناوبون الآذان بمآذنه الثلاث، وفيه كثير من المصاحف منها واحد بخط عثمان يتبّرك به الناس، ويقسمون عليه، وفي كل ليلة يُنار المسجد بألوف القناديل.

ولكل طائفة من طوائف النصارى كنيسة أو أكثر، وكلها إلا كنائس الميدان تجددت بعد سنة 1860 فلطائفة الروم الأرثوذكس ثلاث كنائس وللكاثوليك ثلاث وللسريان الكاثوليك كنيسة، أما كنائس اليهود فكثيرة جدا حتى يكاد يكون في بيت كل غني حجرة كبيرة مفروزة للعبادة العمومية، وأما الكنائس العامة فعشرة أشهرها كنيس سوق الجمعة.

ويذكر المؤلف أن مدارس النصارى هي تسع للذكور وفيها 1145 تلميذا و41 معلما، وسبع للإناث وفيها 1070 تلميذة و32 معلمة، ومدارس المسلمين كثيرة منها ما هو لدرس العلوم الدينية واللغة والفقه، ومنها ما هو لدرس مبادئ القراءة والنحو الأول عدد طلبته 700، ولا يمكن الجزم بذلك لأن أكثر العلماء يدرّسون في بيوتهم وفي الجوامع، أما النوع الثاني فقد أحصتها الحكومة عام 1388 هـ فكانت 74 مدرسة للذكور وفيها 1399 تلميذا، و 38 مدرسة للبنات وفيها 249 بنتا، وللحكومة أربع مدارس رشدية فيها 250 تلميذا ومكتب حربي استيعادي ومدرسة حربية كلية فيها مئة تلميذ، وفي هذه السنة 1879 أقام صاحب الدولة مدحت باشا الجمعية الخيرية، وأناط بها أمر تعميم المعارف بين الأمة الإسلامية، فأنشأت حالا ثماني مدارس للذكور والإناث وعدد طلابها ألف ومئة، ونفقة هذه المدارس من أهل الإحسان، ولليهود 12 مدرسة بسيطة فيها 350 تلميذا، ويدرسون فيها مبادئ دينهم بالعبرانية، والعلم عندهم في درجة دنيّة مع أنهم أغنياء وبإمكانهم أن ينشئوا المدارس، وفي دمشق جمعيتان أدبيتان فقط، جمعية “رباط المحبة” وهي جمعية مسيحية تأسست 1874 و”الجمعية التاريخية” وقد أُنشئت سنة 1875 وغايتها البحث في العلم والتاريخ وعدد أعضائها ينيف على السبعين.

وفي الختام يذكر القسطالي من مات واشتهر ضريحه في دمشق من الأولياء وعلماء المسلمين والمسيحيين كابن الجوزية وابن تيمية وابن عساكر ومحي الدين بن عربي والقديس يوحنا الدمشقي والقديس حنانايا الرسول والقديس قزما المنشي، ولا شك أن هذا الكتاب القيّم يقدّم صورة مختلفة تماما عن دمشق التي نعرفها اليوم، فالروضة الغناء التهمتها الكتل الإسمنية ومناطق السكن العشوائي، ولم يبق فيها من أسباب الانشراح إلا القليل.

تهامة الجندي

دمشق ‏23‏/11‏/2007

 

 

Advertisements