لماذا ارتبط مفهوم “العلمانية” بالإلحاد مذ أن ظهر في المنطقة العربية أواسط القرن التاسع عشر؟ مع أن المفهوم يعني في أبسط تعريفاته: الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، على اعتبار أن الدولة هي المسؤولة عن تسيير شؤون رعاياها الداخلية والخارجية دون التمييز بينهم، وعلى اعتبار أن مواطني الدولة الواحدة متساوون في الحقوق والواجبات بعض النظر عن مذاهبهم وطوائفهم وإثنياتهم، وهو تعريف لا يعني أبدا فصل الدين عن المجتمع، بل ينضوي على الاعتراف بوجود مؤسسات دينية في الدولة، وبحق كل مواطن في ممارسة دينه، كما أنه ينسجم بالكامل مع مبادئ المساواة والعدل وحرية العبادة التي أقرّها الإسلام، إن كان على مستوى النص القرآني أم الأحاديث الشريفة.

ولو قلّبنا صفحات التاريخ سوف نجد أن النقاش حول فصل السلطتين يعود إلى الفكر الكلامي والجدل بين المعتزلة والأشاعرة عن العلاقة بين العقل والنقل، وأن الدولة الإسلامية عرفت أشكالا للفصل بين السلطتين مثل الوظائف والضرائب الغير شرعية التي كانت تدعى المكوس، كما أن التاريخ القريب ينضوي على توافقات هامة بين العلمانية والإسلام، جاءت على يد شيوخ وأئمة متنورين أسسوا لفكر النهضة العربية ومقولات الإصلاح الديني.

كانت البداية من رفاعة الطهطاوي (1801-1873) الذي قدّم تقسيما جديدا للبشر في حينه، لا يقوم على أساس معيار “الكفر والإيمان”، إنما يتخذ من التحضّر والتمدّن معيارا لتصنيفهم، ودعا جامع الأزهر إلى أن يطوّر برامجه ومناهجه، ويفتح أروقته لتلك العلوم التي “جعلت من بلاد الفرنجة أم الأمم، وحازت أقصى درجات البراعة في العلوم”، “علم الحضارة والتمدن”، ونبه إلى أن العلوم والمعارف لا وطن ولا قومية لها، وحارب نزعات الانغلاق.

من بعده الإمام محمد عبده (1839-1905) قال بصريح العبارة: “ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهي سلطة خوّلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خوّلها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم” ثم تناول القائم بالسلطة السياسية، وهو ما يسميه المسلمون بالسلطان أو الخليفة، فأكد أن الأمة هي صاحبة الحق في اختياره وفي عزله وخلفه، وذلك لأنه “حاكم مدني من جميع الوجوه” و”الشرع لم يجئ ببيان كيفية مخصوصة لمناصحة الحكام، ولا طريقة معروضة للشورى عليهم، كما لم يمنع كيفية من كيفياته الموجبة لبلوغ المراد منه، فالشورى واجب شرعي وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين، فاختيار الطريق المعين باق على الأفضل من الإباحة والجواز، كما هي القاعدة في كل ما لم يرد نص بنفيه أو إثباته” و”حسب علينا إذا رأينا شكلا من الأشكال مجّلبة للعدل أن نتخذه ولا نعدل عنه إلى غيره”.

وإذ ركّز عبد الرحمن الكواكبي (1845-1902) جهده على بلورة فكر قومي، يوحّد الأمة العربية ويحررها من التخلف والاستبداد، فقد رأى أن من عوامل تشكل الأمة: الجنس واللغة والوطن والحقوق المشتركة، أما الدين فليس عاملا من عوامل تكوين الأمم، ولذلك فقد دعا إلى الاتحاد الوطني دون الديني والوفاق الجنسي دون المذهبي، ونادى بضرورة فصل السلطتين الدينية والمدنية، لا لأنه يأخذ بوجهة النظر الأوربية، بل لأنه يرى أن إدارة الدين وإدارة الملك، لم تتحدا في الإسلام تماما إلا في عهد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز.

أما أطروحة الفصل الواقعي للسلطة المدنية عن الدينية، فقد جاءت على يد علي عبد الرازق في كتابه “الإسلام وأصول الحكم” عام 1925، حيث رأى أن الإسلام لا يملك نظاما معينا للحكم، ولم يفرض على المسلمين نظاما خاصا، بل ترك مطلق الحرية لهم في تنظيم الدولة طبقا للأحوال الفكرية والاجتماعية والاقتصادية مع مراعاة التطور الاجتماعي الزمني، ورأى أن الخلافة ليست نظاما دينيا، وأن النبي لم يكن ملكا، ولم يحاول قط أن ينشئ حكومة أو دولة، لأنه كان رسولا ولم يكن زعيما سياسيا، وبناء على ذلك دعا عبد الرزاق إلى إلغاء الخلافة، لأنها نظام يتعارض مع الإسلام كدين حر يناسب كل العصور والبيئات.

وفي العصر الحديث تطول قائمة المفكرين الإسلاميين الذين التقوا حول مقولة الفصل بين السلطتين وبناء الدولة العلمانية، والذين لاقوا نصيبهم من التكفير وأحيانا الاغتيال، ولن يكون آخرهم الراحل نصر حامد أبو زيد(1943-2010)، الذي كتب في مقالته “شعار النهضة وشعارات الأزمة”: “الوطن” مفهوم حداثيّ يَتَضَمَّن- تضَمُّن لزوم- مفهوم “المواطن” الذي ينتسب لهذا الوطن بالميلاد أو بالإقامة. مفهوم “المواطن” يتضمّن بدوره -تضمّن لزوم أيضا- مفهوم “المساواة” باعتبار أنّ “المواطنين” سواء في الحقوق والواجبات. من هذا الثلاثيّ -الوطن، المواطن، المساواة– ينبثق مفهوم “السعادة المشتركة” التي هي في الفكر الإنساني الكلاسيكيّ -ومنه الفكر الفلسفيّ الإسلاميّ– غاية التجمّع الإنساني، أي غاية الحياة الاجتماعية، تمييزا لها عن التجمّعات الحيوانية التي تسيطر عليها وتحكمها غريزة “حبّ البقاء”. لا يدخل “الدين” في تعريف الوطن، ولا في تحديد هوية “المواطن”، ومبدأ “المساواة” في الحقوق والواجبات يستبعد التمييزات -دينية كانت أو عرقية، لغوية كانت أو ثقافية-… الدولة ليست المجتمع، بل هي الجهاز الإداري والسياسي والقانوني الذي ينظم الحياة داخل المجتمع… ودورها حماية الناس لا حماية العقائد.

 وبديهي القول إن مقولات علّمنة الدولة والإصلاح الديني هي أساس المجتمع المدني الحديث الذي يكّفل تكافؤ الفرص والحريات العامة والفردية للمواطنين، كما يكّفل التداول السلمي للسلطة، وحين لم تنتصر تلك المقولات إلاّ في عقول نخّبة من المثقفين والمفكرين، شهد مشروع التنوير والنهضة العربية هزيمة نكراء على كافة المستويات.

كان مفكرو التيارات الإسلامية السلفية أول من طعن بالعلمانية، وكفّر ممثليها على اعتبار أنها مفهوم مستورد أنتجته الحضارة الغربية وبالتحديد المادية الملّحدة، وعلى اعتبار أن الإسلام لا يملك سلطة كهنوتية كما في المسيحية، وأن الإسلام دين ودنيا، ومصدر التشريع في الإسلام هو الله وليس الإنسان، وكان لتلك النظرة الإقصائية تأثيرها السلبي المباشر على الشارع العربي.

ولم تكن معّضلة الصدام التناحري تنطلق من الاعتبارات المذكورة فقط، ولا من التعارض المفّتعل بين مقولات العلّمنة وأحكام السلف الصالح، بل كانت تنطلق من كون السلفية واحدة من المنظومات العقائدية الشمولية التي انتشرت وسادت تحت مسمّيات مختلفة في القرن العشرين، وأسفرت عن أشكال مخيفة من العنف والعنف المضاد، لأنها لم تعترف بمبدأ التعددية والحوار، ولا بحق الاختلاف حتى فيما بين أقطاب العقيدة الواحدة، غير أن التداعي المضّطرد لتلك المنظومات في العقدين الأخيرين، والحراك العربي في الآونة الأخيرة يستدعي التساؤل: إن كان الإسلام سوف يجمع أوصاله الممزقة، ويستعيد تعاليمه السمحاء ونزعته العلمية الأصيلة، وإن كانت مطالع القرن الواحد والعشرين سوف تشهد ولادة النهضة العربية بعد زمن طويل من المخاضات العسيرة.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 25 آب 2013 على الرابط

Advertisements