الثورة وطننا، لا مكان لنا سواه، وطن قيد المخاض، ينوء بنا، وننوء به، نحن التسعة ملايين نازح ولاجئ وجائع ومصاب ومحاصر وشريد وطريد ومغتصب ومعتفل وقتيل. نحن الذين نتكاثر كل يوم، ونعادل قرابة نصف سكان سوريا، التي باتت نصف مساحتها تحت الأنقاض. ونحن لسنا كتلة متجانسة على الإطلاق، نحن عرب وأقليات، أديان وطوائف،  متعلّمون وأمّيون، نخب وعوام، فصائل وتيارات، مستقلّون وهيئات، رجال ونساء، أطفال ومسنّون، أصحاء ومعوّقون، ومنا المدّعي والانتهازي والجبان، كلنا متفقون على طلب الحرية، وبعد ذلك نختلف في أبسط الأمور. هذه هي حقيقتنا الدامغة، التي صنعناها بإصرارنا على عصيان أعتى نظام، وهذا هو مكمن قوتنا وضعفنا، وعلى كل الأطراف التي تمثّلنا، سلّمية كانت، أم مسلّحة، أن تصغي لصوتنا، وتأخذ بعين الاعتبار وضعنا ومطالبنا واحتياجاتنا، حين تباشر عملها، أو تضع خططها الاستراتيجية والتكتيكية، داخل المفاوضات وخارجها. نحن صوتها ومرجعيتها، وهذا بحد ذاته امتياز، لم تحظَ به أيا من الهيئات التمثيلية في العالم.  

أثناء التحضير لمؤتمر جنيف2، وحين بدأ، لم يصدق أحدا منا أنه سيسفر عن أية نتائج تُذكر، على الرغم من كل وعود وتطّمينات الدول الصديقة، نحن ندرك، النظام لا يفاوض على رحيله، لكننا دعمنا المناورة السياسية السلّمية، وأُعجبنا بخطاب الجربا، وهو يقول من على منصة منترو “وقت السوريين من دم”. لم يفاجئنا إنكار وفد النظام لجرائم التعذيب في السجون السورية، وإصراره على فتح ملف الإرهاب، بدل البت في بنود جينيف1، بما فيها بند الحكومة الانتقالية، ولم نستغرب فشل وفد الائتلاف في فك الحصار عن حمص القديمة وإخراج المعتقلين. لم تفجعنا البراميل المتفجّرة على رؤوس العباد، القنابل المغناطيسية على مواقع المقاتلين، وسقوط ألف وتسعمئة قتيل، بالتزامن مع انعقاد مؤتمر السلام، كان نصر الشعب السوري الوحيد، الذي أعلنه الإبراهيمي في نهاية الجولة الأولى، هو جلوس المفاوضين، المواليين والمعارضين، تحت سقف واحد، وإلى ذلك وصف المباحثات بالعسيرة، ووعدنا أن تستغرق زمنا طويلا، وهو في ذلك مصيب.

لم يكن الكلام جديدا على آذاننا، سمعنا مثله في كل المداولات التي جرت بين النظام، ومعارضات الداخل والخارج، منذ الشهور الأولى على انطلاق الثورة، وسمعناه أيضا، حين دخلت لجان المراقبة التابعة للجامعة العربية ولهيئة الأمم، وتكرّر الحديث في كل المؤتمرات الدولية، التي عُقدت من أجلنا، ومن ضمنها جنيف الأول. كلام كثير، ولم نفرح بانتزاع حق واحد من حقوقنا، ولازلنا نتمسك بها، نفضل حراكها السلّمي، على حمل السلاح، ونؤيد كل أشكال الدبلوماسية. وإذا أردنا أن نسمي الأمور بأسمائها، هذا الإخفاق في تحقيق أبسط المطالب، في سنتنا الثالثة، هو كناية عن العجز والجمود والتسليم بالأمر الواقع، على المستويين المحلي والدولي، فنحن لم نخرج من بيوتنا طلبا للموت والجوع وشرع الأصوليات، خرجنا من أجل رفّعة الحياة.

ما الذي ينقص “قوى الثورة”؟ هل هي الكفاءة، الخبرة، التصميم الدعم، المؤيدين والأنصار؟ لا أعتقد ذلك، الثورة السورية استقطبت أفضل كفاءات البلد وخبراته، وحظيت بأكبر قاعدة شعبية ممكنة، وأهم دعم إعلامي ودولي، ودفعت أبهظ الأثمان في طريقها لانتزاع مطالبها. إذن، أين الخلل؟ اعتقد أن الإجابة تكّمن في ملفات: كيّفية إدارة المعركة، على المستويين السياسي والعسكري، وكيّفية استثمار موارد الثورة البشرية والمادية، وإخراجها من دائرة الموت إلى دائرة الحياة.

انطلقت مظاهرات السوريين، تطلب الحرية لا غير، وقُوبلت برصاص النظام وسجونه، لم يخشَ المتظاهرون الموت والتعذيب، زاد المد الشعبي، وارتفع سقف المطالب بالتدريج إلى إسقاط النظام بكل رموزه وأعوانه، وبناء الدولة المدنية الديمقراطية، وتشكلت قوى وأطر جديدة على ساحة المواجهة: “التنسيقيات”، “هيئة التنسيق الوطنية” و”المجلس الوطني”، وبهذا الانقلاب الجذري، انتقل الحراك السلمي من طور معارضة النظام، إلى طور الثورة عليه، وانقسم المشهد السياسي إلى طرفين متناحرين، لا يقبل أحدهما بوجود الآخر، الطرف الأول، يمثّله النظام الحاكم، بما يملك من مؤسسات الدولة والجيش، والموالين، والمعارضة التي تعترف به، وتطالبه بالإصلاح، والدول الحليفة التي تدعم بقاؤه، وقد سخّرها جميعا لاجتثاث خصّمه عن بكرة أبيه. أما الطرف الثاني، فتجمعه الثورة الشعبية السلّمية، بمطالبها، وهيئاتها التمثيلية الناشئة، وأنصارها وأصدقائها ومعارضيها، وأُضيفت إليها في فترة لاحقة، ألوية “الجيش الحر” التي حدّدت مهامها في الدفاع عن الثورة والمتظاهرين من بطش النظام، ثم الانسحاب إلى مواقعها فور تحقيق النصر.

في ذروة حماسها وتضحياتها، لم تنتبه “قوى الثورة” جيدا إلى تلك  التحولات المفصلية، التي فتحت صفحة جديدة في تاريخ سوريا الحديث، واستوجبت إعادة النظر في المصّطلحات والمواثيق والأطر والثوابت التي تجمع مكوناتها، وتضع أسس وهياكل الدولة الجديدة التي تناضل من أجلها. لم تنتبه أن مصطلح المعارضة يعني القبول باشتراطات، أن تحقيق مطلب الحرية رهن بالدولة العلمانية والدستور المدني، وأن غياب العقد الاجتماعي الجديد بمبادئه الملّزمة، ومحدّداته الناظمة لعمل الهيئات والناشطين والداعمين والمتطوعين والفصائل المسلحة، سوف يعني غياب مرجعيات تقييم وتقويم أداء ومسار الثورة، وسوف يعيد إنتاج العهد القديم بأيقونات أخرى. واليوم بالكاد تُذكر الدولة العلمانية والقوانين المدنية، ولا تزال المحاكم الشرّعية، تدير قضايا السكان في المناطق المحرّرة.

سارت الأمور أقرب إلى الارتجال، تحت وابل من الضغوط والكوارث، والخلاف حول التدخل العسكري الدولي في سوريا، الذي شق صفوف الثورة إلى معارضات الداخل والخارج، لم ينتهِ، بعد أن ثبت للجميع، أن أيا من الدول الكبرى، لن تورّط جيشها في الشأن السوري. حدث لغط كثير، وتبادل الجميع عبارات الاتهام والتخوين، زادت الانقسامات، واختلط الحابل بالنابل. لم يعد من اليسير التمييز بين معارض النظام ومعارض الثورة. بين من أعطى صوته للثورة، ومن تركه عند النظام. بين قدري جميل وبرهان غليون. بين ألوية “الجيش الحر” والتشكيلات الغريبة والدخلية على جسم الثورة كـ “النصرة” و”داعش”. الكل معارض، والكل يتحدث باسم الثورة، ومع هذا المشهد الملتبس والرؤية الضبابية، صار من اليسير اختراق كافة قوى الثورة وهيئاتها، وبات من السهل على المجتمع الدولي أن يراوغ، ويتنصل من وعوده.

الكل يشكو القلّة، ويطلب الدعم، والكل يتحدث عن نقص التسليح، وأزمات النزوح، وعن جياع المناطق المحاصرة والمصابين، ونسمع عن أسلحة ومعدات وفرق إغاثة سورية ودولية، وعن هبات ومكّرمات ومعونات، لكن الأوضاع تسير من السيء إلى الأسوأ. أين هي التقارير السنوية، التي تقدّر مداخيل الثورة، كيف تذهب وأين؟ أين هي السبور الميدانية، التي تقيّم حجم الاحتياجات، مدى العجز، وكيفية التغلب عليه؟ أين هي الشفافية في العلاقة مع الجماهير؟ أليست وحدها الكفيلة ببناء الثقة، وإسكات الأصوات، التي تتحدث همسا وجهارا عن إساءة التصرف بأموال الثورة؟

لماذا تقف الإغاثة عند سلاّت الغذاء، وأشكال التكافل البدائية في أماكن النزوح واللجوء؟ لماذا لا يجري التفكير بإقامة مشاريع، ومؤسسات اقتصادية وثقافية وتعليمية، لتشكيل نواة لاقتصاد الثورة، ولتشغيل القادرين على العمل، واستثمار طاقتهم الإنتاجية، بدل أن يكونوا عالة على الدول المضيفة، وعبء على المانحين، أين هم رأسماليو الثورة ورجال أعمالها؟ ثم لماذا صمت التيار العلماني، وتراجعه لصالح الإسلاميين والمتطرفين؟ وهل يُعقل أن يلفظ المتظاهرون “النصرة” و”داعش”، قبل أن يتبرأ منهم “الائتلاف الوطني”، أين هي جمعيات المجتمع المدني من المخيمات وحراك الشارع السوري؟ أما آن لقوى الثورة وهيئاتها، أن تنّفتح على بعضها، وتنسّق فيما بينها، وتتقاسم الأدوار لخدمة المشروع الثوري، وجماهير الثورة؟

رغما عن حجم الخطر الداهم، قام الناشطون الحقوقيون والإعلاميون، ولا يزالون بدور رائع في توثيق يوميات الموت والدمار، وضحايا السجون والنزوح؟ وأثبتت القوائم، أن النظام لا يميز بين الناشط السلمي وحامل السلاح والنصير، الكل سواسية في القمع وسياسة الحصار والتجويع، وكل من منح صوته للثورة، هو مشروع نازح ومعتقل وقتيل، وعلى هيئات الثورة بدورها، أن لا تميز بين هؤلاء المتضرّرين، وأن تضع نصب أولوياتها تأمينهم وحمايتهم، هؤلاء التسعة ملايين، هم صورتها وعمادها، هم من يمنحها الشرّعية، ويسقط عنها الغطاء، هؤلاء لو لم يتحوّل معظمهم إلى مجرد أرقام مهملة، لكانوا قوة هادرة، ضاغطة، أنجحت كل المفاوضات.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 9 شباط 2014 على الرابط

Advertisements