زحام لم أعهده من قبل في بيروت، والمسافة بين شارع الحمرا ووسط البلد، استغرقت قرابة الساعة، ثم توقفت حركة السير. سائق السرفيس الذي ضاعف علينا أجرته عند الصعود، اعتذر عن توصيلنا، وأعاد لنا النقود. نزلت وصديقي عماد من السيارة مرغميّن، وقطعنا المسافة سيرا على الأقدام، لم تكن على مرمى خطوتين، كما وصفها لنا السائق، كانت بعيدة، ونحن نهرول تحت جنح المساء والغبار، بين السيارات والشاحنات والموتورات، نقطع الشوارع من جهة إلى أخرى، ولا نصل. جواربي تجمّعتْ أسفل كعبي، داخل البوط الطويل، تحرّجتُ أن أقف وأعالجها، باتت تعيقني، وتملكني الشعور أني أمشي أبشع وأطول درب في حياتي، مع أن المشي قبل هذا المشوار الكئيب، كان متعتي.

تنفسّتُ الصعداء، أخيرا وصلنا غاليري “تانيت” في مار ميخايل، لم أتبين معالم المدخل ولا الصالة الواسعة، المكان يغصّ بالقادمين مثلي لافتتاح معرض التشكيلي السوري يوسف عبدلكي، كثير هم السوريون، وعدد أقل من فلسطيني سوريا والعراقيين، بينهم جبر علوان، وبعض اللبنانيين والأجانب، تركت صديقي يحادث صحبه، وشققت دربي إلى الداخل، وما إن نظرت أمامي، حتى وقعت عيناي على من أعرفهم، وبدأت السلامات والقبلات، وكاد يكون الأمر مبهجا، لو لم أكن بحاجة إلى بعض الوقت، حتى ألتقط أنفاسي، وأزيح عن رأسي صور الطريق، سارت اللقاءات أقرب إلى المجاملات، استطعت أن أضحك قليلا، وأهرب بسرعة، وددتُ لو ألقي التحية على يوسف، وكان محاطا بالصحفيين والمعجبين، أجّلتُ تحيتي، وأدرتُ وجهي إلى اللوحات.

قتلى وأوصال مقطّعة وقيود، تبدأ من ما قبل التكوين، من الرصاص والصواريخ والقنابل المتفجّرة، من أدوات التعذيب في السجون، ولا تنتهي هدايا الطغيان لشعب أراد الحرية. المشهد غارق بالصمت والسواد، والدم غزير، يدخل اللوحة، يتسرب ببطء، يغطي المساحة، يخرج ويرّشقني، يلاحقني كظلي، أنا التي غادرت موتي قبل عام، ولم أنعم بنومي ليلة واحدة في بلد اللجوء، مثلي مثل كل اللاجئين السوريين، أين نهرب من كوابيسنا؟ نحن المحكومين بأحوال الطوارئ مذ فتحنا عيوننا على الحياة.

كلمات الشيخ إمام تتقافز أمامي بألوانها الزاهية، وتأخذني إلى “ميدان التحرير”، ثاني انتصارات الربيع، فرحنا الغامر أمام الشاشات، ونحن ننتظر أن تشق صرختنا الفضاء، تزيح عن صدورنا سنوات الخوف والقهر، وانطلقت الصرخة سلّمية، بنبرة إنسانية خالصة، أدهشتنا نحن السوريين، قبل أن تدهش الآخرين. قرر الرب أن يحرق البلد، انتهت أفراحنا، ودخلنا المجّزرة، وحمص التي رفعت حذاءها ساخرة “باي بدّنا نشوفك في لاهاي”، كانت أولى ضحايا الإبادة، ومن بقي فيها حيا، يموت اليوم من الحصار والجوع.

قتيل، جسده ممدد على قبره، عيناه الجامدتان تحدّقان بي، وعلى اللوحة كُتبتْ عبارة “يوحنا فم الذهب مسجّى في جامع الحسين بحي الميدان بدمشق”، بتنا نحتاج كل يوم، أن نثبت للعالم أننا لسنا طائفيين، ومتى كنا؟ المساجد عندنا بجوار الكنائس، وجميعنا نتشارك ذات الهواء، في طفولتي لم أكن أميّز بين زميلاتي، إلا حين تبدأ حصة الديانة، وننفصل، كنا صديقات الدراسة، سنيات وعلويات ومسيحيات، نزور بعضنا، ونتقاسم الأفراح والأسرار والأحزان، حينها لم نكن علمانيات ولا ماركسيات ولا مثقفات، ولا حتى من حملة الشهادات، كنا نعيش فطرتنا، وحتى اليوم لا تزال أعمق صداقاتي من خارج طائفتي وديني.

وجه “باسل شحادة”، ابتسامته الوديعة، وردة السلام إلى جانبه، فتحت في قلبي ألف جرح. كان واحدا من مجموعة شابات وشبان رائعين، تعرفّتُ إليهم قبل عامين من الثورة، عروة وضحى وزاهر وجيفارا، جميعهم مولع بالسينما التسجيلية، ويعملون في إطار مهرجان “سينما الواقع” الذي قام بجهودهم، وما إن انتهت دورته الرابعة، وبدأت أولى المظاهرات في دمشق، حتى تفاجأت أنهم في مقدمة المتظاهرين. قرأت خبر اعتقالهم واحدا بعد الآخر على صفحة الفيسبوك، بكيتهم، وفرحت عند الإفراج عنهم سالمين. باسل كان أكثرهم صمتا وهدوءا، حصل على منحة جامعية لدراسة الإخراج في الولايات الأميركية، وسافر، سُررت بلقائه في المقهى بعد انطلاق الثورة، وانقطعت أخباره عني، حتى شاهدت سقوطه بقذيفة، وهو يصوّر المعارك في حمص، لم أصدق عيناي وسمعي، قتلوا شابا آخر من بناة سوريا الحرة.

 لوحة “أم الشهيد” أعادتني إلى منزلي ذاك المساء، حين هاتفتني ابنة خالي، وقالت مستغربة “شو عم تساوي ببيتك؟ رح تعّلق بعد شوي”. وضعت السمّاعة من يدي، أزحت الستارة، كانت أنوار الجيران مطفئة ونوافذهم موصدة. كيف استغرقت في الكتابة، حتى أني لم أسمع صوت المآذن، تنادي لخروج الأهالي من قدسيا؟!. اتصلت بسائق تاكسي أثق به، لأغادر إلى بيت أهلي، قال، جميع الطرق مغلقة والتجوال ممنوع، “كوني جاهزة بس سمحوا بالحركة بجي”. خرجت إلى شرفتي أستطلع الشارع، لمحني الجندي، وأطلق النار في الهواء. دخلت، ارتديت ملابسي على عجل، وضعت حاجياتي في حقيبة صغيرة، وركنتها عند الباب، أنزلت الأباجور، أطفأت الأنوار عدا المدخل، أدرت التلفزيون، كتمت صوته، وجلست أقرأ شريط “الجزيرة” وأدخّن.

انطفأت الكهرباء في غير موعدها، وهذا يعني أن المداهمات الأمنية بدأت، لو عثروا عليّ، لن يصدّقوا غبائي، صحفية، وفي داري ثلاثة كمبيوترات، وكل وسائل الاتصال، ماذا أفعل لوحدي…؟! سوف يسلخون جلدي عن عظمي. بدأ القصف يدوّي في أذني، قريب لدرجة أن الأرض تهتز من تحتي، أو أنني أهتز من ذعري. الظلام دامس، ولا أحد في الحي يشاركني محنتي، تلمّست يدي العتمة، وقادتني إلى بابي، تكومّت على الأرض ساعات قرب حقيبتي، ولم تهدأ راجمات الصواريخ والطائرات. كل صور الاغتصاب والتعذيب تجول في رأسي، أُصبت بالإسهال والغثيان والنزيف، وكنت أرتعد خوفا، حتى من الحركة والأصوات التي تصدر عني. القتلى يسقطون في قلبي، الجنازات تمشي على جسدي، هرمت مئة عام، بكيت الأمهات السوريات، كيف يدّفنّ أولادهنّ كل يوم؟ وشكرت الله أني لم انجب. لا أدري متى وقف إطلاق النار وخرجت، كان الشارع الرئيسي وسط البلدة مغلقا، بعد ان أضحى أثرا على عين.

“السكين” المصقولة بإتقان، أعرفها، نقلتني إلى ذاك الصباح الأغبر، من أول أيام عيد الفطر عام 2012، حين فتحت صفحتي، لأهنئ أصدقائي على الفيسبوك، وجدت نعي عائلة بأكملها من أقارب أمي. خلدون وزوجته، وولديهما سامي وخالد (على اسم عمي وأبي)، كانوا يسكنون دوما، عند صلاة الفجر اقتحم الشبيحة بيتهم، كبّلوا أيديهم، وجزّوا رقابهم بالسكاكين. أغلقت شاشتي، ولم أعد أجرؤ على فتحها، صرت أستيقظ مذعورة كل فجر، أرتعش، وتتسارع دقات قلبي، وأنا أتخيلهم يموتون، وأنتظر دوري، بعدها لم أعد أنام في الليل، صرت أصحو، وأحرس نفسي، ولم يكن في حوزتي من الأسلحة، سوى آية الكرسي وصورة مريم العذراء.

وددت لو أخمد الألم الذي ينهشني، تناولت كأس النبيذ الأحمر، وخرجت من معرض الشهداء إلى الفضاء، كان النبيذ مرّا، زاد من ضيقي، ولم تسعفّني أحاديث الأصدقاء، أن أخرج من ذاكرتي. أضحك، وأحبس دمعي. كنت على صليبي، في شوارع سوريا، أتفقد الخراب، وأحصي المفقودين، كنت في سجني، أصرخ، ولا أحد يسمعني.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 16 شباط 2014 على الرابط

*افتُتح معرض يوسف عبدلكي في غاليري “تانيت” في بيروت مساء الخامس من شباط 2014.

Advertisements