لم يكن كاتبا معروفا مثل أخوته: سامي، علي، إنعام وعاصم. وهب نفسه للسياسة، وهي لم تجلب له الشهرة أو المجّد، أهدته الفقر، أدخلته السجون، رمته في المنافي، وعرّضته لحملات تشّهير وتعّتيم واسعة، مثله مثل كل معارضيّ نظام الأسد، وقد لا يعرفه اليوم غير من بقي حيا من مجايليه ومعاصريه الساسة السوريين أو الفلسطينيين.

أتخيله ببشرته الحنطية، عينيه الخضر النديتين، كأنهما على وشك البكاء، خديه الممتلئين الأحمرين، شاربه الطويل المعقوف إلى الأعلى، قامته الطويلة الممشوقة… صوره في شبابه، تشبه ممثلي هوليود، وحين تقدم به العمر، لم يفقد جاذبيته، وأجزم أن ما من امرأة نظر إلى عينيها، لم تقع أسيرة عينيه… كان ودودا وسخيا مع حواء، يعاملها بدماثة واحترام، يطريها بعبارات ناعمة، لن تسمعها من الآخرين، وسحره الفطري على النساء، أصابه بأكثر من مقتل في سنوات حياته التي لم تتعدَّ السابعة والستين.

أذكره مفعما بالطاقة والحياة، متحدث لبق، واسع الإطلاع، حاذق الذكاء، خصب الخيال، حاضر البديهة، ابتسامته لا تفارق وجهه، إلا عند المحنّ العامة والهزائم الكبرى، عدا ذلك لن تراه مقطّبا، ولن تسمعه يشكو، إن مرض أو ضاقت به الدنيا، سوف يتعالى على حاله باقتباس عبارة أدبية أو فلسفية، بيت شعر، أو قول مأثور، للتعبير عن ألمه وسخطه: “أكثر من القرد ما مسخ الله”، “إن لم أحترق أنا، وتحترق أنت، كيف نخرج من الظلمات إلى النور؟”… وضحكته الهادرة يميّزها أصدقاؤه من بعيد، ويأتون إليه مسلّمين “أبو سليمان، عرفناك من ضحكتك”، وأبو سليمان لقب لازمه منذ صغره، تيمنا بلقب خالد بن الوليد، مع أن أبي أطلق على ابنه وأخي، اسم شاعره المفضل طرفة بن العبد، الذي كان يحب من أبياته: “أنازلُ خيّلا من فوارسها الدهر/ وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبر”.

طقوس يومه تبدأ بشرب الماء، ثم المشي لثلث ساعة في الهواء الطلق، بعدها يشرب قهوته ويدخن، يتابع الأخبار باهتمام من عدة مصادر، يشاركنا أعباء المنزل، قيّلولة الظهيرة لديه مقدّسة، ينهض منها على كأس المتّة، ومن ثمة يأتي دور المقهى. كتابه إلى جانبه طوال النهار، ودفتر يومياته قبل النوم، يجلس وراء مكتبه، يدوّن الأحداث الهامة، خواطره، أشعاره، غرامياته، يعد التقارير والمقالات السياسية، وإلى لغته العربية يجيد الإنكليزية والفرنسية والألمانية، ومع صحبته الممتعة، سوف ترتاد أحلى الأماكن، تلتقي أهم الشخصيات، تغتني معارفك، ويضج عقلك بعلامات الاستفهام.

يوم العشرين من تشرين الثاني عام 1997، حين علمّتُ بوفاته، شققت قميصي وصرخت لا… كان يوما فارقا في ذاكرة انكساراتي، فقدّتُ من كان يضمني إلى بعضي… أعيدُ رسم ملامحه، وأشعر بشوق حارق إليه، أود لو أزوره، أضع على قبره القرنفل الأحمر الذي يحب، أمرّر يدي على شاهدته، أقرأ حروفه وتمتماتي، أجلس بجواره، أحدثه عن بؤسي وثورتنا اليتيمة، وأبكي… أفعل ما يفعله الجميع حين يفقدون أحبتهم، لكني لا أعرف أين رفاته، مات بذبحته القلبية بعيدا عني في غزّة، أُقيمتْ له جنازة رسمية مهيبة، ودُفن في مقبرة الشهداء، المقبرة التي ما لبثت أن قُصفت ودُمرت، مات أبي مرتين، فقد مثواه الأخير، مثلما فقد مسّقط رأسه، السَّلمية التي كوتّه بنار الحنين.

أبي خالد الجندي (1930-1997)

تهامة الجندي

Advertisements