“لا أريد أن أقول أيهما يجعل الله أدنى إلى اليقين… المئذنة أم المرأة”؟! قال فرج بيرقدار حين سألته عن ثنائبة الجمال والتعب لدى حضور الأنثى في قصيدته. كان يمزق الغياب، بعد أن أُطلق سراحه وهو على أعتاب الخمسين، وكنتُ أحضر أمسية شعرية أُقيمتْ له أواسط تموز 2001 في دمشق، يوم تعرفتُ إليه، وأهداني واحدا من أجمل حواراتي عن السجن الذي اختطف أربعة عشر عاما من حياته، وعن مجموعته “حمامة مطلقة الجناحين” التي تسللت من بين القضبان، ورأت النور قبله.

*كيف استطاعت الحمامة أن تفك قيود أسرها، وتهدل في النور؟

**ذاك شأن الحمام وتلك رسائله منذ الطوفان، وحتى هذا الزمن الركيك. لم يكن مضى على اعتقالي زمن طويل، حين بدأت أعيد اكتشاف الشعر بوصفه ومضا في مواجهة العتمة، وعدالة في مواجهة الظلم، وحبا في مواجهة الكراهية والطغيان، وباختصار … حرية وحياة في مواجهة الأسر والموت. وقد كان لابد لي من الشعر لكي أعرف نفسي … لكي أحميها وأوازنها فوق صراطها الممتد ما بين اللعنة والقداسة.. ما بين حجرية الظروف ورقرقة الدمع والأحلام.

كان كل شيء ينزف ويتداعى … يعوي ويصهل ويغص بالوهوهات.

ساحات التحقيق أشبه بالمجتلدات الرومانية، وقعقعة مزاليج الأبواب تكفي لفتح وإغلاق عشرين جهنم، وما من بارقة تشهد على ما يجري سوى دمائنا، وكان ينبغي للشعر أن يشهد. إذن على الحمامة أن تحمل رسائلنا أو قصائدنا مختومة بحليب الطفولة وممهورة بكل ما لدينا من قيود. لم يكن مهما العنوان الذي ستمضي الحمامة إليه, كل عنوان ممكن ما دام خارج المعتقل.

وهكذا بدأت الكتابة على الذاكرة، إذ لم يكن ثمة أوراق وأقلام لكن بعد سنوات كانت تنخل رمادا كثيفا من اليأس والنسيان في الفرع وتدمر، أحالونا إلى سجن صدنايا وهناك استطعت إفراغ ما في ذاكرتي وذاكرة أصدقائي من قصائد وتسليمها إلى الحمامة.

لاحقا عرفت أن صديقي المرحوم جميل حتمل وبالتعاون مع أصدقاء آخرين، استطاعوا الحصول على أول دفعة من القصائد، وتمكنوا من نشرها بعد عدة سنوات من وصولها إليهم.

*”فزنزانتي جسدي والقصيدة حرية طارئة” وأسألك المزيد حول ثنائية ( القيد/ الحرية) وأقصد هنا الدخول في لحظة الخلق الشعري؟

**بالنسبة لي ما من شيء لا يحيل إلى نقيضه،  ولو أردت البحث عن ثنائية قابلة لان تكون رمزا قصديا، يختصر كل ثنائيات الحياة، لقلت القيد والحرية على أن الحرية لا تغدو حرية صافية أو كاملة أو منزهة إلا في شروط الأسر، حيث كل ما هو ليس حرية هو أسر بالضرورة، ولا مجال للتدرجات والتراكمات، وإن كان ثمة مجال لها فلا معنى لهذا المجال، وبالتالي فإن انحياز الأسير إلى الحرية هو انحياز صوفي مطلق، وذلك رغم القناعة الضمنية له بأنه عندما كان في الماضي حرا بدرجة ما أو بصورة ما، لم يكن يشعر بجلالة مقام الحرية لأنه كان يعيشها كحالة اعتيادية أو بديهية، وهي كذلك حقا، بل إنها أحد العناصر الأساسية للحياة مثلها مثل الماء والهواء وليس هناك ما يميزها عن غيرها من تلك العناصر، سوى أن الإنسان يستطيع أن يستمر في الحياة زمنا أطول على أمل الحرية، على إمكانية استرجاعها، على إيمانه العميق بقداستها كمعنى وربما كرسم كتابي وإيقاع صوتي أيضا. أجل الحرية كل هذا وأكثر، ولاسيما عندما يحضر نقيضها (القيد) أما الزنزانة فأمر يختلف عن القيد من بعض الوجوه الدلالية والوظيفية، رغم أنها في المحصلة قيد من نوع آخر، ولكن تجربتي معها جعلتني أضفي عليها في بعض الأحيان ظلالا خاصة، فهي – رغم ما يراد لها من وظائف – تتأبى على وظائفها أحيانا، فمرة تغدو صومعة، ومرة تغدو ملجأ يشتهي المرء أن يهرب إليه من هجير التحقيق وما في سياطه وكابلاته من قيامة لا شفاعة لها ولا كرامات.

القيد محاولة وحشية لتأسيس السلب أو النفي، وبالتالي العدم، بينما الحرية محاولة عاشقة لتأسيس الحب، وبالتالي الوجود والحياة، لا أعتقد أن هنالك ما هو أكثر قدرة أو إمكانية أو قابلية من الإبداع لتشكيل المعادل الرمزي والفني والأخلاقي للحرية، وإذا كان الأمر كذلك، أكون قد عشت في مناخ شعري ماطر باستمرار، بغض النظر عما إذا كان المطر ماء صافيا أو محرورا بشيء من الدمع أو الدم.

الشعر هو الوجه الأكثر تكثيفا للحرية، هو المواجهة الأكثر أصالة ضد الموت والنسيان، ولا أدري كيف كان يمكن احتمالي لشروط السجن بمعزل عن الشعر، كل شيء كان مظلما ولم يكن بوسعي إلا أن أحترق.

*”لو رأى الله صورته في عناقنا لتجلى” وزاوية النظر الصوفية إلى الكون والعلاقات تظهر في أكثر من موقع في مجموعتك، فما هي المسببات والمرجعيات؟

**عندما يكون الخوف والقلق والشك والألم، وغير ذلك من هذه المفردات الممضة، طافيا فوق مستنقع مثقل بالوحشة والغياب، فمن الطبيعي أن يبحث المرء عن فسحة من الأمان، عن خيط من التعيين، عن وهم يتعلق به أو يتوحد فيه، وقد يبحث في بعض اللحظات أو الحالات عن ثغرة ملائمة لأكثر التمردات تحديا وخرابا، وربما استفزازا للأعراف والتقاليد والقيم والعبادات ولنفسه أيضا. هنا يأخذ الإيمان بأي شيء أبعادا مختلفة، تتجلى بنوع من التطرف الذي يبلغ حد التصوف، وربما يبلغ حد الكفر الذي يعكس نوعا من الإيمان الاحتجاجي أو المخذول.

ما أقوله ليس تنظيرا بل مقاربة لما كنت أقرؤه في داخلي، فإذا أضفت بيئتي وتربيتي المفتوحتين على الحب والغيب من جهة، ومطالعاتي لسير وكتابات بعض المتصوفة، تصبح الملامح الصوفية في قصائدي أمرا عاديا، لا أدركه او أنتبه إليه إلا حين تشير إليه أسئلة الآخرين أو ملاحظاتهم.

*”الصوت العراقي البعيد أسى يغسله الظل رخيما فيضيء” ومرة أخرى تظهر قضايا الوطن في القصيدة، بعد أن أهديت قسما كبيرا من قصيدتك المطولة “جلسرخي” لفلسطين، فكيف تنظر إلى علاقة الأدب بالالتزام، وكيف عليها أن تتجلى شعريا؟

**الشعر بعيدا عن هاجس كاتبه وقارئه ليس شيئا، وشيء زميم لا حاجة للناس به كما أظن. على الشاعر أن يلتزم بهواجسه أولا وبمقدار شرف هواجسه واقترابها من احترام وتمثيل القيم والقضايا الأكثر عدلا وجمالا وإنسانية، بقدر ما يكون جديرا بلقب شاعر.

لا يكفي أن أمتدح الوطن لكي أكون ملتزما، هناك من يشتمون الوطن ومع ذلك أراهم أكثر إنسانية وشاعرية ممن يمجدونه، أحيانا يشتم المرء ابنه، فهل علينا أن نستنتج أنه غير ملتزم بابنه أو بنفسه.

موضوعة ملتزم وغير ملتزم لا تعنيني، هي نتاج مرحلة من الأحلام والأوهام التي نرى أنقاضها الآن. صحيح أن معظم كتاباتي الأولى كانت لفلسطين، ولم يكن ذلك بدافع الالتزام وإنما لأن فلسطين كانت تشكل لي هاجسا شخصيا عاما، أما في السجن فقد كتبت الكثير عن الحرية وليس بدافع الالتزام أيضا، إنها هواجسي، وأحاول دائما أن أكون أمينا لها، أما الوطن فما أكثر تعريفاته وتجييراته وازدلافاته.

في العالم الثالث غالبا ما يتماهى الوطن والشعب والأمة بشخص الديكتاتور، وأزعم أنه ما من قضية شهدت هذا التلوث والتعهير والتضليل والطغيان والمزايدة والعمى الذي شهدته قضية الوطن إن مقولة ( وطن حر يعني مواطنا حرا ) لم تعد مقنعة لي. إنها واحدة من مقولات دعاة الالتزام، ويختلط الدعاة في هذا الأمر من أصغر الضحايا إلى أكبر الجلادين، أنا الآن أرى المعادلة على النحو النقيض، أي (مواطن حر يعني وطنا حرا)، ثم حتى لو كان الوطن محتلا فإن المواطن الحر قادر على تحريره، أما الرعايا والعبيد فمعنيون بتحرير أنفسهم أولا، عندنا الكثير من المدائح والشعارات الرائعة حول وطننا الحر الكريم، ويراد لنا بالتالي أن نصل استنتاجيا إلى أن المواطنين أحرارا بالضرورة، بينما واقع الحال من سجون وسجناء وغياب قوانين الأحزاب والصحافة والثبات المقدس لحالة الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية … إلخ . يا إلهي كم من الألغام والشبهات في هذا الحقل الملعون الذي لا أستطيع إلا أن أكون مع فضحه وتعريته والدعوة إلى تجاوزه، فمن شاء أن يخرجني من تحت مظلة الالتزام فليفعل. أنا نقيض هذا الالتزام وهو نقيضي.

*”لا أنت أطلال فأبكيها ولا الشعراء مثلي عندما يبكون” وأغلب قصائدك مبلل بالدمع، فما الذي يدفع فرج إلى البكاء وكيف يبكي؟

**في السجن كثيرا ما فكرت بعقد مقارنات بين بعض السجناء ومالك بن ريب أو بينهم وبين مجنون ليلى، يبدو لي أن الشعوب بحاجة دائمة إلى رموز وتمثيلات، أما كيف تتكرس هذه الرموز والتمثيلات وبأي شخص او قضية أو حكاية فذلك مشروط بالعديد من الاعتبارات، كذلك فكرت بأجدادنا من الشعراء ووقوفهم على الأطلال، أنا أحترم كل ذلك وأحبه ولا أزال أتأثر به بعمق، ولكن تخيلي شاعرا قديما يقف على أطلال من الصخر والرمل والرماد، وتخيلي شاعرا معاصرا يقف على أطلال من لحم ودم، وقد يكون جسده هو من بين هذه الأطلال.

صحيح أن قيس بن الملوح خسر حبيبته فبكاها بمرارة وهام على وجهه متقصيا أو ذاهلا أو هاربا من نفسه وأهله وزمانه، ولكن لو تقصيت أوضاع بعض السجناء وعرفت ما لحق بهم من خراب وحرائق في الجسد والروح والحبيبة والأهل والأبناء، لرأيت أن مأساة ابن الملوح أقل مما هي خارج المقارنة بكثير وحتى بالمعنى الوجودي، يؤسفني ان الشهقة الأولى في حياتي كانت بكاء وأن الشهقة الأخيرة لن يكون بوسعها أن تضحك، أما كيف أبكي فأترك الإجابة لأصدقائي والغيوم، أتركها للجلود الممزقة والعواءات المقلوبة، لأطياف ابنتي التي تركتها وهي في الثالثة وعدت إليها وهي على مشارف الجامعة، للأمهات اللواتي لم يعرفن شيئا عن أبنائهن منذ أكثر من عشرين عاما، للخطط الخمسية التي تنتج موتا وجنونا وتصحرا، للمجازر المجانية ولتلك التي أنجزت بسعر الكلفة. أجل … أترك الإجابة لهذا القبر المجاني الممتد من المحيط إلى الخليج.

*في أمسيتك الأخيرة قلت: “فليس من لغة تقول ولا تخون”، كيف خانتك اللغة، وما هي الخيانات الأخرى التي أثقلت كاهلك؟

**ما أكتبه الآن ردا على أسئلتكِ، هو واحد من الشواهد على كيفية خيانة اللغة، هذه الخيانة التي أحسها ولا أستطيع التعبير عنها بدقة، لأن اللغة ستخونني مرة أخرى أثناء شرح كيفية خيانتها، أزعم حتى في الشؤون الحياتية العادية لا تستطيع اللغة أكثر من المقاربات، فكيف إذا حاول المرء الحديث مثلا عن حالة موت بطيء لرجل معصوب العينين ومغلول اليدين إلى الخلف وحوله سرية من الأحذية السميكة المدربة، وهي تتناوشه وتنفلت ضرباتها من حيث لا يمكن توقعها، وبإيقاعية افتراسية متصاعدة تغطي كامل مساحة الجسد، ولكنها شيئا فشيئا تأخذ بالتركيز على البطن والصدر والكتفين مع تسديدات خفيفة على الرأس في البداية، لكنها لا تلبث أن تشتد وتيرتها ووحشيتها، وفي النهاية قفزة شيطانية –لأحد ما–  في الهواء وارتطامة عديمة الرحمة بالرأس، تضع نهاية سعيدة لذلك الموت البطيء الذي كان يعاني منه ذلك الرجل المسكين. أقول إذا حاول المرء الحديث عن أمر كهذا وقد حاولت أنا كما تلاحظين فإلى أي حد يمكن أن تصل خيانة اللغة؟

سألت أحد السجناء عن صحته، وكم مضى على اعتقاله فتحدث زمنا مديدا وجملا قصيرة عن السرطان والأدوية والأمل … وختم حديثه بأنه قد مضى على اعتقاله اثنا وثلاثون عاما. أي لغة بربكِ تستطيع الإدعاء بأنها قادرة على عدم خيانة حقيقة هذا السجين ومشاعره وآلامه وحنينه؟!

بالطبع للصمت أيضا خياناته، بل أنه حين يكون في غبر أماكنه يبدو أشد وطأة ولا أخلاقية من خيانات اللغة بكثير.

*”كفاك فراشة زرقاء، وكفى حنيني أن يكون بلا ضفاف” وحين تحضر المرأة تحضر معها كل معاني الجمال ومعاني التعب، فماذا تحدثنا عن هذه الثنائية؟

**المرأة بالنسبة إلي أبعد من الحب وأبعد من الأمومة ومن القداسة والحزن والموسيقى، بمعنى أنها يمكن أن تكون كل ذلك وغيره في آن معا.

أحيانا أشعر أن المرأة هي الاسم الحركي للحرية، وأن الشعر هو الشكل الأمثل للحديث عنها جسدا وروحا… صوتا وظلالا وتداعيات. فلماذا تريدين توريطي في الحديث عنها كتابة خارج الشعر؟ ثم ألا يكفي ما أورثني الشعر منها أسا وتعبا وجمالا.

تهامة تستطيعين تجنيبي هذه الورطة، لا أريد أن أقول أيهما يجعل الله أدنى إلى اليقين… المئذنة أم المرأة؟!

دعي إيماناتي مستقرة على اطمناناتها… ودعي الآلهة القديمة نائمة في سرير التاريخ أو التراث، وانقليني إلى السؤال الأخير.

*بعد كل هذا العمر وهذه التجارب الصعبة، أستعير منك لأسألك: “أيهذا الولد الهارب نحو الأربعين. ما الذي يفضي إليك. ما الذي تفضي إليه”؟!.

**حين كتبت هذا المقطع الذي تشيرين إليه، كنت في السادسة والثلاثين، وكنت في بداية اعتقالي، وكنت أسترجع وعدا قطعته على نفسي قبل الاعتقال، بأني سأحتفل بعيد ميلادي لمرة واحدة على الأقل، وذلك عندما أبلغ الأربعين.

أما الآن فأحاول الهرب من الخمسين لا إليها.

مياه ودماء كثيرة مرت من تحت هذه القنطرة التي اسمها الزمن، وما زال الليل ينتهي إلى ليل، ومازالت نفسي لا تأنسني ولا أفضي إلي.

أشعر ان علي الآن البدء من أسئلة في منتهى الجمر، ومن أسئلة في منتهى الوضوح:

ما الفرق بين النشيد وبين النشيج؟

ما العلاقة بين النأي والناي؟

كيف يكون الشوك على نية الورد، والورد على نية الشوك؟

ما أوجه الشبه بين المرأة ورشاقة القول؟

إلى أين يحيل السجن، وإلى اين يحيل المنفى؟

كأن خطاي خطاياي وما من إمام آخر لي.

ما زالت الظلمة طاغية وتأكل نجومها، وليس في يدينا قيامة هذا اليأس أو هذا الأمل، إلا أن نضيء.

تهامة الجندي

Advertisements