بعد عمر صاخب من التمرد على تاريخ القمع وقوالب الشعر القديمة قضاه عمي علي في دمشق، قرر أن ينسحب من الساحة الشعرية ومن الوسط الثقافي أوائل تسعينات القرن العشرين. “قمر المجالس” كما يسميه منذر المصري انتقل إلى اللاذقية، ولاذ بالصمت حتى وفاته عام 2009. تزامن قراره مع عودتي إلى سوريا بعد أن انهيتُ دراستي الجامعية في بلغاريا، وكنت استغرب انكفائه على ذاته، وأعتبره مفروضًا عليه، وما إن عثرتُ على منبر لائق للنشر، حتى زرته في منزله المتواضع وأجريت معه حوارًا صحفيًا، وكلي يقين أني أخرجه من عزلته، لم أدرك يومها أنه باستقباله الدافئ وحواره كان هو من احتواني ببنوته وأخرجني من عزلتي، وأن صمته الطويل كان صرخته الأخيرة في وجه الفساد والاستبداد الذي لا يزال ينهش قلب سوريا.

اعتذر من قلبه الأبيض وروحه الحرة، وأنشر حوارنا في أوائل آب 1997:

*تقول في إحدى قصائدك:”تذكرت بلدتي والطريق القديم وأسيجة الزيزفون ووالدتي وأبي وشتاء الطفولة والنوم تحت النجوم، فهل يمكننا التوغل قليلا في هذه الذكريات واستحضار الصور الأكثر أثرا على تجربتك الشخصية والإبداعية اللاحقة؟

**يخيل إلي أنني لست بحاجة إلى التوغل كثيرا لأوقظ ذكرياتي … إنها مستيقظة دومًا، وفي لحظة ما تستعيد نضارتها وصباها. ليكن أبي قاسيا، ولتكن في سذاجتنا من أسباب شقاء الطفولة، حيث كان يخيل لنا ان أبي هو سبب حرماننا من طفولتنا، وبهذا كنا نلومه وحده، فلولاه كنا نعمنا بالمرح على البيادر المطلقة والنوم أنى نشاء تحت النجوم أو فوقها، وحتى قبل رحيله كنا نترك الحرية لخيالنا على الأقل فنجلب الصور الشعرية من أي مكان، وكنا قد تركنا للطبيعة ان ترفدنا بكل تلك الصور، كنا حالمين كبار رغم صغر أعمارنا، نطلب الصور المستحيلة التي كانت لنا ملكا منغّصًا، وحاولنا ان نجسدها في صور لا تعرف الخنوع او الالتباس وتظل حرة مترامية الأطراف.

على خلاف أبي كانت أمي حنانًا دائمًا، نتوسده أنى نشاء ونجرؤ في حضرتها على القول.

في بعض شعري أقوال كثيرة، وكأنها تأتي من منجم معادن ثمينة، وبوسعي أن أقول إن طفولتي ظلت رافدا أدبيا لحياتي اللاحقة.

*لا تذكر من صفات والدك إلا القسوة، مع أنه كان شخصية مؤثرة على الصعيدين الاجتماعي والسياسي؟

**حين كنا أطفالًا لم نكن نحس إلا بهذا الجانب من شخصيته، لكن فيما بعد اكتشفنا أنه شخصية مؤثرة سياسيا واجتماعيا.

*هل لك أن تعود قليلا إلى عام 1957، وتتحدث عن مجلة “شعر” ومساهمتك فيها، وهل كان ابن الثلاثين حينها يستشعر ما تخبئه السنوات المقبلة من مجد ومرارة؟

**حتى لو حاولت ان أعود إلى عام 1957 لأحكي عن مجلة “شعر”، فإنني لم أساهم فيها حينها، ذلك لأنني كنت قد بدأت بخدمة العلم وكثر الحديث عنها من دون أن أراها، وحين انهيت خدمتي العسكرية في أوائل الستينات، كنت في الثلاثين، وكنت طارئا على مجلة “شعر” أقرأها وأرى بعض محرريها، كنت أعرفهم من قبل، محمد الماغوط وفؤاد وقفة وأدونيس، وصرت أرى أنهم يعبرون عن رغباتي الكتابية، ثم توثقت علاقتي بهم وغدوتً شريكهم في سهراتهم وأفكارهم، وكنت أخاف عليهم من التهمة التقليدية (قومي سوري) لكن استهوتني لعبة المجد والمرارة، فنشرتً في المجلة المذكورة أولى وأهم قصائدي”في البدء كان الصمت”.

*صورك الشعرية تتميز بغرائبية المشهد، تنفتح على اكثر من سؤال وتأويل، وتفيض إحساسا بالغربة والألم، وأود ان أسألك عن لحظة الخلق الشعري، ما شكلها وكيف تفعل فعلها في لملمة مفردات المشهد وبلورته؟

**الحقيقة أن صوري الشعرية ليست متكلفة ولا مقصورة التنوع، وهي لذلك تبدو متسعة باتساع المكان، وتمثل الزمان، لكن تطغى عليها الألوان القاتمة، وتتغير وكأنها امام كاميرا سينمائية تلتمع وتنطفئ، أو كأنها تهيئ نفسها للعرض، تنفتح على أكثر من سؤال وتأويل، ويقف الفرد فيها وحيدا تماما في مواجهة نفسه أولًا، ثم الجموع.

لحظة الخلق الشعري لحظة تختلط فيها اشياء العالم، ويشعر الشاعر بأنه ينزلق من بين اللاشيء، ولا يدري كيف يهيئها، فلحظة يراها هامدة، وفي اللحظة التي تليها يتولاها النشور، مثل إله يخلق الشيء، ثم لا يعرف كيف يعيد تركيبه، يزن التميز في العالم ويودعه في لحظة واحدة، وهكذا حتى تصل اللحظة الشعرية إلى الانكفاء على ذاتها.

حالات الجنون ليست غريبة على المتصدي للعبث، هدوئي الظاهري يتحول في تلك اللحظة إلى فوضى يجمعها ويشتتها شاعر لا يدري كيف.

*”نشجنا بحرقة مليون عام” واسألك لماذا تتلألأ الدموع في قصائدك؟

**وراءك يمتلئ العالم بالنشيج والكوارث، وراءك تشتعل الدنيا بملايين البراكين، ونبكي كي ندافع عن وجودنا الهش.

*تقول:”افتحي دهاليزك للعائد من حرب الإبادة”، وتظل المرأة صورة الرحمة والخط الذي يمنح قصيدتك الحياة وألوان الخصب، لماذا المرأة بالذات، وماذا تحدثنا عنها؟

**مرة اخرى أًفاجأ باللحظة الشعرية امام أكثر من بوابة، الحب العميق والموت، وحشة الانتهاء والرغبة في التدفق من خلال هذا العالم، تدفق المرء امام المصير او امام العدم، أو ان تأتيه الحالة من خلال اختناقه في داخله، ويبدأ البحث عن مفتاح، ويتجسد العالم بامرأة تغير كل طبيعة الأشياء، فإذا هي النعمة والحب الذي يمنح قصيدتي ألوان الخصب وشكل الخلق الكامل. وكيف تريدين ان أجد خلاصي إلا بامرأة؟.

كانت المرأة منذ طفولتي نعمة، وكنت احج بها ومعها لتخطي قسوة الأب، بينما كان الأب حنانا بمخالب. بين الإنسانة الخصب والطراوة كان الأب النقيض، وكنت أمتح من بين يديها المهمومتين كل رائحة الشفافية والمتعة.

*لماذا كانت العزلة وكان غيابك الطويل؟

**أنا تعلقت بالحياة منذ ما بعد الطفولة، هربت من السلمية، وكان ظلّ يلاحقني، وحين ظهر الظلّ مرة أخرى هربت من جديد، وقلت أداري عن الخلق منظر حزني واختناقي، ورحت أداوم على حب الحياة، والتشبث بأذيالها، وكان أن علقت، ورأيت أنني أستطيع الهرب من جديد، لكنني كنت أشعر دائما وكانني واقع في هوة، وظل الإحساس يلازمني حتى الآن، أقفز حتى يكاد الخلاص أن يكون قريبا، لكني اهوي هويا لئيما من جديد، حاولت وحاولت وحاولت أن أقفز خارج الهوة، وكنت أقفز في مكاني، وعندما حاولت أن ألبس الخلاص، فارقني ظلي، وأقرب مكان كان لي هو اللاذقية، ربما أصبحت دمشق لا تناسبني، وربما صرت لا أناسب دمشق، وهما أمران أحلاهما مر.

*وأي قصائدك تختارها ختاما لحديثنا؟

واقف منذ صباح العيد

أستجدي على أبواب ميناءك يا أبي

مواعيد السفر

أرقب القادمين والموتى

وحمال التوابيت، وباقات الزهور

قطارات بلا ناس

ولا صوت تمر

وأرى الحزن على جلد الحقائب…

وداعًا عمي علي

تهامة الجندي

نُشر الحوار في “الكفاح العربي” 28/8/1997

م: وُلد الشاعر علي الجندي في السلمية عام 1928، حصل على دبلوم الفلسفة في جامعة دمشق، أصدر ديوانه الأول “الراية المنكسة” عام 1962، وكان من المؤسسين لتجربة الحداثة الشعرية في سوريا. عمل في الصحافة المكتوبة والمسموعة، شغل منصب مدير الدعاية والأنباء، أسهم في تأسيس اتحاد الكتاب العرب، وأتبع ديوانه الأول بإحدى عشرة مجموعة شعرية، هي: “الحمى الترابية”، “في البدء كان الصمت”، “قصائد موقوتة”، “البحر الاسود المتوسط”، “طرفة في مدار السرطان”، “النزف تحت الجلد”، “الرباعيات”، “بعيدا في الصمت، قريبا في النسيان”، “صار رمادا”، “سنونوة للضياء الأخير”، “الشمس وأصابع الموتى”، إضافة إلى مجموعة من الخواطر النثرية نٌشرت في الدوريات العربية، وفي عام 1999 صدرت أعماله الكاملة عن دار عطية ببيروت. صباح السابع من آب 2009 فارق الحياة عن واحد وثمانين عامًا، ونُقل جثمانه من اللاذقية إلى مسقط رأسه في السلمية، حيث شُيّع إلى مثواه الأخير.

 

Advertisements