ما الذي يجعلنا نتمسك بوطن يقهر كل خلية فينا، ويتفنن بأشكال الإيذاء والتعذيب؟ ما الذي يبقينا في وطن نجوع فيه، ونسكب على ترابه البخيل آخر قطرة دم فينا بحثا عن فرصة للعمل او الحياة؟ قليلون هم المبدعون الذين يملكون الإجابة عن جدلية الرفض والانتماء، بينهم محمد الماغوط الذي ما إن تبدا بقراءة نصوصه، حتى تفيض بعاطفة هجرتك او هجرتها منذ سنين، وانت تقف شاهدًا أعزلًا على صور البؤس والقهر.

هل ترحل

ولماذا

حتى أعود آخر العمر على عكازين وسخين

وأتمرغ على أول رصيف

يلوح لي من الوطن

أو لأعود لابسًا قبعة من القش

متابطًا ذراع امرأة

ضاجعها رجال بعدد النجوم

لا

سأظل متكئًا على ريشتي حتى الشيخوخة

متكئًا على موقفي حتى يسيل اللحم على الخشب.

وبالفعل رغم كل أشكال الحصار التي تعرض لها الماغوط لم يغادر وطنه حتى غادرنا متعبا في ربيع عام 2006، متكئًا على عكازين وقلم مشاكس لم يتوقف عن التهكم والإدانة والعصيان والحب، قلم جلب له الشهرة والمجد في مكان من هذا العالم، وحمل إليه جائزة السلطان عويس في السنة الأخيرة من عمر شارف الواحد والسبعين عاما.

وُلد محمد الماغوط في السلمية/سوريا عام 1934 وعاش الحياة فقيرا، تشرّد في بيروت، وعرف السجن في دمشق فترة الخمسينيات، عمل في الصحافة، وسيرته الأدبية تفصح عن غنى وتفرد قلما نجده عند غيره من معاصريه، فهي تحمل العديد من الألوان والمحطات والمنعطفات، لكنها تحافظ على خصوصية أدبية تسري في ثنايا تجربته أينما حطّت. كتب الماغوط في كل مجالات الأدب، وكان رائدا في إطلاق قصيدة النثر على المستوى العربي، كما كان من الكتاب الأوائل الذين عملوا على مزاوجة الأجناس الأدبية، وفي كل ما أنجزه استطاع أن يعبّر ببصيرة قوية وصدق عال عن معاناة ووجدان الشارع العربي.

أصدر الماغوط ثلاثة دواوين شعرية كان أولها “حزن في ضوء القمر”، عام 1959 ثم “غرفة بملايين الجدران” 1960 و”الفرح ليس مهنتي” 1970، وكتب في المسرح عدة نصوص منها ما صدر مطبوعا مثل: “العصفور الاحدب” 1960 و”المهرج” ومنها ما نُفّذ على الخشبة ولم يُطبع مثل “كاسك ياوطن”، وله أيضا رواية “الارجوحة” 1974، ومجموعة مقالات “سأخون وطني” 1987 ومجموعة نصوص “سياف الزهور” 2001، كذلك كتب عدة سيناريوهات للسينما والتلفزيون منها فيلمي “الحدود” 1984 و”التقرير” 1987 ومسلسلي “حكايا الليل” و”وين الغلط”، وفي عام رحيله صدرت آخر نصوصه بعنوان “البدوي الأحمر”، وكل الأعمال التي أنجزها الماغوط لاقت ترحيبا عربيا كبيرا، وقسط منها تٌرجم إلى لغات أجنبية، كما أن العديد من الأطروحات الجامعية تناولت نصوصه الشعرية والمسرحية.

من الشعر بدأ الماغوط سيرته الإبداعية، ويهيئنا للولوج في عوالمه الشعرية كلمات زوجته .الشاعرة الراحلة سنية صالح حين كتبت: “ماساة محمد الماغوط انه وُلد في غرفة مسدلة الستائر اسمها الشرق الاوسط، ومنذ مجموعته الاولى “حزن في ضوء القمر” وهو يحاول إيجاد بعض الكوى أو توسيع ما بين قضبان النوافذ ليرى العالم ويتنسم بعض الحرية، وذروة هذه الماساة هو في إصراره على تغيير هذا الواقع وحيدا لا يملك من اسلحة التغيير إلا الشعر”،

ونتساءل ونحن نقرأ الماغوط: ما الذي سكب في نصوصه هذا التفرد والرفض وهاجس الحرية؟ وتكون الإجابة ربما في قصيدته التي يصف فيها “السلمية” مسقط رأسه وبيئته الأم:

الدمعة التي زرفها الرومان

على اول اسير فك قيوده باسنانه

ومات حنينا إليها

يحدّها من الشمال الرعب

ومن الجنوب الحزن

ومن الشرق الغبار

ومن الغرب … الأطلال والغربان

فصولها متقابلة أبدا

كعيون حزينة في قطار

كلمات مبللة بالدموع، صافية كالماء تعكس في انكساراتها القاع والمحيط، وتتدفق كالحنين راسمة باناة وتفرّد صور العذاب والقلق وأشكال عصية للحزن والحاجة والحب، مدن تحمل في أعماقها منافيها، قلوب كسرها الجوع والتعب، وأرواح تختنق بعزلتها.

قلتً: عطشان يا دمشق

قالت: اشرب دموعكَ

قلت: جوعان يا دمشق

قالت: كل حذائي

وماذا قلت لها

لا شيء

أطرقت في الارصفة وبكيت.

كلمات لا تحاور التراث كي تصل إلى المعاصر، ولا تستنجد بشخوص التاريخ ورموزه كي تقول ما تريد، بل تبحث في الراهن والآني عن وسائل تعبيرها الفنية، تغوص في متاهات الواقع وتفض مغاليقه مستحضرة ما شاءت من صور غريبة، تؤكد لا إنسانية الوجود الذي نقع ضحاياه، ومع ان الماغوط لا يخرج عن هموم المعاش إلا انه يدهش بهذا الجديد واللامالوف الذي يستنبطه باستمرار من دون ان يكرر نفسه، إنه يبتكر من الواقع ادواته الإبداعية ويسكبها في تعبيرات وصور نحتها بدمه واعصابه، لغة تدرك معانيها، ولا تضيع ابدا في زحام الشعارات والافكار الجاهزة، بل تحمل دوما عطش الوجود وعبق المستقبل المشتهى.

بدون النظر إلى ساعة الحائط

او مفكرة الجيب

اعرف مواعيد صراخي

وانا هائم في الطرقات

أصافح هذا واودع ذاك

انظر خلسة إلى الشرفات العالية

إلى الاماكن التي ستبلغها اظافري واسناني

في الثورات المقبلة

فانا لم اجع صدفة

ولم اتشرد ترفا او اعتباطا

ما من سنبلة في التاريخ

إلا وعليها قطرة من لعابي

تنبع خصوصية التكوين لدى الماغوط من ذلك التأسيس المرهف الذي ينهض على التقابل بين متناقضات الوجود والمشاعر، تقابل الأضداد: الجمال والقبح، الوطن والمنفى، الغربة والحنين، الانتماء والعصيان، تقابل يؤسس لمفارقات وعلائق تفيض بحساسية تراجيكوميدية، تمنح المفردات والصور قوة تعبيرية كبيرة ومذاقا خاصا يقوم على ثنائية المضحك المبكي، والسهل الممتنع: “هذا الفم يصنع الشعر واللذة/ يجب أن ياكل يا وطني”، “الجوع ينبض في احشائي كالجنين/ منذ بدء الخليقة وانا عاطل عن العمل/ أدخن كثيرا/ واشتهي اقرب النساء إليّ”.

وتبدو الذات المازومة والمغتربة هي المولد الرئيسي لكل الثنائيات التي تحتضنها نصوص الماغوط، لكنها ذات ليست سلبية او متورمة، ليست أنانية او متعالية، إنها جزء لا يتجزا من تلك الجموع المقهورة والمعذبة، إنها صوت الذين لا صوت لهم في المنطقة النظيفة والمهمّشة من عالمنا.

طفولتي بعيدة.. وكهولتي بعيدة

وطني بعيد ومنفاي بعيد

أيها السائح اعطني منظارك المقرّب

علني ألمح يدا او محرمة في هذا الكون تومئ إلي

صورّني وانا ابكي

وانا اقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق

واكتبْ على قفا الصورة

هذا شاعر من الشرق

ونثر الماغوط لا يختلف في حساسياته ودوافعه وخصوصياته عن شعره، فكل ميراث قلمه النبيل تفوح منه رائحة الارض والزمن المر، ويعلن انتماءه الصريح لكل ذرة تراب وقطرة تعب وآهة مظلوم عاش ومات على تراب الوطن، وهو يحلم بالتغيير، يبكي ويصرخ:أيها السوط المجّرم، ماذا فعلت بأمتي“.

 تهامة الجندي

‏13‏/09‏/2006

 

Advertisements