بقلم محمد منصور

في ذكرى رحيله الـ18… سامي الجندي: أول بعثي هجا حزب البعث وتحدث عن المخطط “الطائفي العلوي”!

“محال أن يحيط العقل بأحداث حكم آذار وتطوره، لأنه ضد العقل والمنطق، كل عقل، وكل منطق … زالت كل القيم وكل ما يحدد الروابط الاجتماعية”.

هذه الكلمات، الحادة والشفافة والكاشفة والبليغة، كتبها قبل أكثر من أربعة عقود، واحد من أعظم رجالات سوريا في القرن العشرين، ليوّصف الحال التي انتهت إليها ما يسمى (ثورة الثامن من آذار) التي أوصلت حزب البعث إلى حكم سورية على ظهر دبابة عام 1963.

هذا الرجل هو د. سامي الجندي (1920-1995)، صاحب الكتاب- الصفعة (البعث) والذي مرت ذكرى رحيله الثامنة عشرة، في الرابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) الجاري.

الطبيب والرجل العلماني المتنور، وابن مدينة (السلمية) عنوان الوحدة الوطنية الحقيقية والعفوية، رأى طائفية حزب البعث باكراً بعد استيلاء العسكريين العلويين على قرار الحزب ومساره. تحدث عنها بوضوح وشفافية في كتابه المذكور، الذي صدر عام 1969 في بيروت. لم يدفن رأسه في الرمال كما يفعل كثير من المثقفين المغرمين بالشعارات، ممن ظلوا يدفنون رؤوسهم في رمالٍ أنتجت بعد كل هذه العقود، عشرات المذابح الطائفية بحق أبناء السنة في سوريا.

  • حزب وراء الحزب!

قال الجندي عن صلاح جديد مثلاً: ” يتساءل الناس: هل هو طائفي أم لا؟ قد يكون وقد لا يكون – أقبل الاعتقاد أنه غير طائفي – ولكنه مسؤول عنها، اعتمد عليها ونظمها وجعلها حزباً وراء الحزب. قد يقول قارىء: ما ينبغي لي أن أتعرض إلى الطائفية وأن أجانبها. أما أنا فأعتقد أنه يجب أن نعالج كل قضايانا بجرأة وبروح علمية. إن مجانبتها هي تستر عليها وإذكاؤها)

قال سامي الجندي هذه الكلمات عن صلاح جديد أستاذ حافظ الأسد الذي سجنه هذا الأخير حتى الموت، بعد قيامه بانقلابه الذي سماه (الحركة التصحيحية) في السادس عشر من تشرين الثاني عام 1970… ترى ما كان سيقول سامي الجندي، لو أتيح له الكلام عن تفوق حافظ الأسد على أستاذه؟!

  • سيرة تمرد وتشرد!

سامي الجندي المولود في السلمية عام 1920 لأب سني، كان له أقارب كثر إسماعيليون بسبب التنوع الطائفي داخل عائلة (الجندي) السملونية العريقة نفسها، لكنه في طريقة حياته كان مسلماً يصلي في جوامع المسلمين، ومسيحياً مع المسيحيين يزور كنائسهم، وكانت له بعض المعارف من اليهود العرب قبل قيام إسرائيل.

درس طب الأسنان في الجامعة السورية بدمشق… وأثناء ذلك راقب عن كثب الحياة السياسية في هذه المدينة العريقة التي كانت حينذاك إحدى مراكز الثقل السياسي في العالم العربي؛ فتعرف إلى زكي الأرسوزي، الأب الروحي لحزب البعث الذي درس الفلسفة في السوربون بباريس، وسكن دمشق تاركاً لواء الإسكندرون بعد أن وضعت تركيا يدها عليه سنة 1939.

عندما حاول الأرسوزي أن يؤسس حزباً قومياً عربياً، طلب من الجندي أن ينتسب إلى هذا االحزب. ولشدة إعجاب الجندي بأفكار الأرسوزي دخل معترك السياسة.. وكان سامي الجندي قبل ذلك، أي عام 1944 قد أنهى دراسته الجامعية، وافتتح عيادة في (السلمية) وكان يتردد على دمشق التي أحبها، ليبقى قريباً من رجال السياسة ويشارك أحياناً في بعض النشاطات.

كان سامي الجندي شاهداً على الوحدة بين مصر وسوريا فخلالها كان عضواً في مجلس الأمة ومديراً للدعاية والأنباء في الإقليم الشمالي. ومع قيام حركة الانفصال كان أول من أصدر بياناً ضدها داعياً الشعب لإعادة الوحدة، ولما كان حزب البعث قد حُلَ عند قيام الوحدة، اضطر الجندي مع مجموعة من رفاقه لتأسيس حركة تقود الشارع السوري ضد الانفصاليين، فكانت حركة الوحدويين الاشتراكيين التي ضمت لفيفاً من البعثيين والناصريين، وكان هو أميناً عاماً لها، لكنه اعتُقل وسجن وعندما أُفرج عنه، خرج ومعه مرض في ظهره رافقه حتى يوم وفاته.

مع انقلاب حزب البعث في الثامن من آذار عام 1963 وتسلمه زمام الحكم، أصبح سامي الجندي عضواً في مجلس قيادة الثورة وناطقاً رسمياً باسمه، وكُلف بوزارة الثقافة ثم بوزارة الإعلام، وعاد إلى صفوف حزب البعث معتبراً أن حركة الوحدويين شكلت خلال مرحلة حلَ الحزب مما أثار حفيظة رفاقه في الحركة من الناصريين.

بعد أن اكتشف الناصريون أن حزب البعث لم يكن جاداً في محاولة إعادة الوحدة بين مصر وسوريا، رغم أنه كان يهجو الانفصال في أدبياته ويسميه (الانفصال الأسود) قاد ضابط ناصري الهوى من أبناء دير الزور (شرق سوريا) محاولة انقلابية فاشلة في تموز 1963، أطلق عليها اسم (حركة جاسم علوان) وقد قبض عليه وعلى رفاقه وحكم عليه بالإعدام، إلى أن تدخل الرئيس جمال عبد الناصر لتخفيف الحكم عليه ثم نفيه إلى القاهرة. وعلى خلفية هذا الصراع داخل حزب البعث نفسه على السلطة، رأى الكثيرون في سامي الجندي القريب من جناحي الحزب حلاً، وطلب منه تشكيل الوزارة، فقبل التكليف وأرادها حكومة تجمع كل رفاق الأمس، لكن.. لأنه كان رجل الحوار يجمع ولا يفرق فقد فشل، واختار الاستقالة، وأصدر بياناً ألقاه عبر تلفزيون وإذاعة دمشق، يبين فيه رغبته وقد لخصه ببيتين من الشعر:

ما قلتَ أنتْ ولا ســـــمعتُ أنا، هذا حديثٌ لا يَليقُ بنا

إنَّ الكرامَ إذا صحبْتَهُمْ سَتَروا القبيحَ وأظهروا الحَسَنا

استمر الجندي بعدها وزيراً للإعلام بوزارة شكلها الدمشقي البعثي صلاح الدين البيطار (الذي ستغتاله مخابرات حافظ الأسد في باريس عام 1980)، وشارك الجندي في جميع الوفود التي ناقشت مسألة إعادة الوحدة بين سوريا ومصر دون جدوى، ثم الوحدة الثلاثية بعد أن انضم وفد عراقي إليها، وكان من المتحمسين لها.

  • رثاء الأحلام المر!

اكتشف الجندي مبكراً أن حزب البعث الذي أسس على مبادئ قومية وفكرية، تحول إلى ساحة صراع للعسكريين البعثيين الذين نفوا فيما بعد آباء الحزب المؤسسين ونكلوا بهم، وعلى خلفية تكرار مطالبته بضرورة عودة الجيش إلى ثكناته وعدم التدخل بالسياسة، بما يعيد الحوار إلى القوى السياسية السورية ويؤسس لدولة ديموقراطية، زاره في مكتبه بوزارة الإعلام رئيس الجمهوية أمين الحافظ الذي شغل هذا المنصب بين (تموز/ يوليو 1963 وشباط فبراير 1966)، طالباً منه انتقاء سفارة من قائمة السفارات الشاغرة التي وضعها أمامه، وقال له: (قرر الإخوان أن تغادر البلد) وكان يعني اللجنة العسكرية بالحزب التي كان سامي الجندي يعتبر أنها حولت ثورة آذار وأحلامها إلى مجرد انقلاب عسكري… فاختار سفارة باريس لمعرفته اللغة الفرنسية التي أتقنها خلال دراسته في مدرسة الروم في مدينة حمص أثناء الانتداب الفرنسي… وهكذا غدا سفيرا لسوريا بين عامي 1964 و1968.

بعد نكسة حزيران 1967، عاد الوضع الداخلي في سوريا إلى التوتر وتعالت أصوات تدعو لتشكيل حكومة إئتلافية برئاسة سامي الجندي، ما أدى لتصفية حسابات قديمة، فاستدعي الجندي إلى دمشق وأُدخل في حزيران 1968 سجن قلعة دمشق لمدة أربعة شهور، وعندما أطلق سراحه وجد نفسه مجبراً على مغادرة سوريا.

لجأ سامي الجندي إلى بيروت وانتقل إلى تركيا، ثم سافر إلى تونس حيث أذن له بممارسة طب الأسنان في عيادة خاصة بالفقراء وسار على دروب الغربة والتشرد القاسية، قبل أن يعود إلى بيروت مجدداً ويشهد أحداث لبنان الأليمة، وينقطع للتأليف والترجمة.

وبعد أن دمرت الآلة العسكرية الإسرائيلية عام 1982 بيته في منطقة الجامعة العربية ببيروت، وأحرقت أوراقه وكتبه، سمح لسامي الجندي بالعودة إلى وطنه سوريا… إلا أنه قضي سنواته الأخيرة في مدينته (السلمية) بصمت… بعيداً عن دمشق التي تغيرت تغيراً جذرياً في زمن حكم الأسد.. فلم تعد تحتمل حتى حديث سياسي قديم في مقهى، قد تؤذي آراؤه آذان الوشاة… فانصرف إلى التأليف الأدبي والترجمة، بعد ما قال كل ما لديه في السياسة باكراً وبلا أي مداورة أو دبلوماسية!

  • أتحدى وأتهم!

كان سامي الجندي غزير الإنتاج بعد هزيمة 1967، فعدا عن كتاب (عرب ويهود) الذي صدر عام 1968 وأحدث ضجة في العالمين العربي والغربي وقدم له الملك الحسين بن طلال، أُلّف وترجم كتباً عدة، سياسية وأدبية، تحتوي على القصة والسيرة والفكر أشهرها (كسرة خبز)، و(صديقي إلياس) 1969 و(أحداث في المنفى) 1971 و(أتحدّى وأتهم) الذي كشف فيه حقائق كثيرة عن نكسة حزيران 1967 وألم الهزيمة وخسارة الجولان، وفي هذا يقول:

“سَقًطَ الجولان ولم يُحاكَم إنسانٌ واحد من الذين يجب أن يتحملوا مسؤولية الهزيمة، ذلك أن البدء بالمحاكمات يفضح الكثير من الأسرار. إن أي عسكري مبتدئ يعرف أن طبيعة الأرض في الجولان تسمح للجيش السوري أن يصمد لأشهر، ومع ذلك سقط بساعات”. (1)

أما كتابه المدوّي (البعث) الذي صدر في بيروت عام 1969، فقد كان وما يزال أعنف مراجعة نقدية وهجائية لانحرافات حزب البعث وسقوطه في أحضان الديكتاتورية… وهو أول اعتذار علني من واحد من مؤسسي حزب البعث للشعب السوري عن أخطاء الحزب الذي انهار، أما الاعتذار الثاني فكان على لسان صلاح الدين البيطار بمقالته في مجلة “الإحياء العربي” التي كانت تصدر في باريس في السبعينيات بعنوان (رسالة اعتذار للشعب السوري)

  • كيف أصبحت كلمة (بعثي) تهمة!

مثّل كتاب (البعث) قصة الحزب منذ نشأته حتى انهياره كحزب وحكاية الانقلابات البعثية في دمشق وبغداد ومسلسل الخلافات الداخلية التي أنهكت البعث وقضت عليه كحزب وحولته لمجرد ستار للسلطة والتسلط…. وفيه يعترف الدكتور سامي الجندي بداية، وهو يفضح سقوط وانحراف الحزب:

(تبدو الصورة قاسية. تأثرتْ بظروف حياتي. وقد يُظنُّ أن الحقدَ أملاها، كيف يمكن لي أن أحقد على البعث الذي هصرتُ شبابي على شعابه؟ حينما أكتب عنه لا أصارع الحقد أبدأً، بل أقاوم الحب حتى أكون موضوعياً. ولكني لا أنكر أن مرارة الخيبة تلونها، فتبديها على شغف العاشق الذي تنكرت له ديار أمانيه، فأنكر فيها بعد غياب أنها قَفْرٌ من الحياة التي خفق قلبه لها).

ويمضي سامي الجندي ليشخّص حجم انهيار الآمال:

(لم يكن انهيار آمالنا شيئاً بسيطاً. كان يعني عندي موتاً حقيقياً، أجترّه أقتات منه القلق الوعر والحزن القاتل).

في هذا الكتاب كان سامي الجندي قاسياً على نفسه وذاته لم يهادنها جردها من كل زيف أو تبرير حين تساءل:

“من كان يحسب سنة 1940-1941 أن البعث ينتهي إلى كل هذا العبث؟ من يحسب منا أن تصبح كلمة بعثي تهمة يدفعها بعضنا عنه بسخر مرّ”؟

ويعترف سامي الجندي أن حزب البعث، تحول منذ زمن طويل إلى جلاد يلهب ظهر أبنائه:

“بدأ البعث العربي بالإنسان وتقديسه وآل إلى جلاد. انتهى البعث العربي، بالبعث العربي الاشتراكي فقد فيه أصالته كما فقد فيه العربي الاشتراكي نضاله… أصبح البعثيون بلا بعث، والبعث بلا بعثيين: أيديهم مصبوغة بالدم والعار يتسابقون إلى القتل والظلم والركوع أمام مهماز الجزمة”.

لقد آمن سامي الجندي في أدبه بالإنسان، فجاءت أعماله الأخيرة رواية (سليمان) وقصة (حارس الكلب) خير تعبير على هذا الإيمان الحر، المتمرد على الشعارات الانتهازية الماكرة، التي اكتوى بنارها كما كل السوريين… وكذا ترجماته النفيسة لروائع الأدب العالمي حيث عرّف العالم العربي بشاعر فرنسا الكبير لويس آراغون، وترجم (مائة عام من العزلة) لماركيز، و(بيت الأشباح) لإيزابيل الليندي… وقد كانت كلماته تعبيراً حقيقياً عن أن معركة تحرير الأرض تبدأ من تحرير الإنسان، ولهذا كتب يقول ذات مرة:

” هيهات أن يقاتل شعب وهو يساق سوقاً مسلوب الإرادة، فهو مهزوم مسبقاً”.

  • الرحيل الصامت!

أدرك السوريون متأخرين جداً كلمات سامي الجندي هذه… ولذلك كان بإمكان النظام البوليسي الأمني الذي تُرك يشرّش، أن يدمر مدنهم وقراهم فوق رؤوسهم حين قرروا الثورة عليه. لكن سامي الجندي سيبقى في ذاكرة السوريين حين يعيدون كتابة تاريخهم، وسيتذكرون هذا الرجل الصادق، الجريء، الحاد الرؤية، الذي رحل في الرابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) عام 1995، ونُشر نعيه الخجول في صفحة التتمات في الصحف الرسمية السورية، كتعبير عن روح النظام المليء بالأحقاد الذي لا ينسى من قال كلمة حق في وجه حزب جائر!

محمد منصور

زمان الوصل 29/12/2013

Advertisements