لن أكتب عن عمي إنعام، في وداعه أنشر مقالة الزميل علي سفر

إنعام الجندي العروبي التائه في خراب المدائن

برحيل الكاتب والسياسي إنعام الجندي (1925-2015)، يُختتم مشهد أربعة وجوه من عائلة الجندي السورية، ساهموا جميعاً في إثراء واقع سوريا الراهنة، إذ إن أيّ قارئ لتاريخها، ستمر معه مساهمات الأخوة سامي وإنعام وعاصم وعلي في السياسة، وفي الصحافة والثقافة.

ورغم أن هؤلاء كانوا جميعاً على علاقة وثيقة بنشوء حزب البعث ومراحل تطوره، بنسبة أو بأخرى، إلا أن معارضتهم الأصيلة لنظام حافظ الأسد، كانت واحدة وثابتة، ولم تختلف في تفاصيلها.

وإذا قرر أحد ما أن يبحث في تفاصيل سر الكراهية المتبادلة بينهم وبين هذا النظام، سيجد أن أصول الأمر لا تتعلق بانقلاب الأسد على رفاقه في عام 1970 فقط، بل إنها تعود إلى زمن أقدم بكثير، هو زمن تسلط العسكريين على الحياة السياسية في سوريا منذ نهاية أربعينات القرن الماضي، حينما استولى حسني الزعيم على السلطة بانقلاب عسكري، مفتتحاً جولة انقلابات انتهت باستيلاء أديب الشيشكلي على مقاليد الحكم في ذلك الوقت.

مثقفون وعسكر

الأخوة الجندي، لم يكونوا من العسكريين، مثل أفراد آخرين من عائلتهم كعبد الكريم الجندي الذي قيل (وهي رواية يشكك فيها السوريون دائماً) إنه انتحر بطلقة في الرأس في العام 1968. بل كانوا من فئة المثقفين الذين آمنوا بفكر “البعث”، كما رسمه “المعلم الأول” زكي الأرسوزي.

ورغم خوض أكبرهم الدكتور سامي في عالم السياسة منذ وقت مبكر، أي منذ نهاية أربعينات القرن الماضي، إلا أنه سعى إلى تغليب الأخلاق على السياسة، وربما تكون مطالعاته النقدية التي قدمها منذ منتصف الستينات لتجربة حزب البعث في سوريا، والتي قادته إلى الاعتقال غير مرة، توضح موقفاً جذرياً، يتناقض مع ما صنعه عسكر “البعث” بالسلطة التي أمسكوا بها، حيث جروا البلاد إلى الهزائم والخراب.

أديب الشيشكلي ذاته خاطب سامي الجندي في لقاء يرويه الأخير في كتابه “البعث” قائلاً “أنتم طيبون، مصيبتنا بكم أنكم خياليون، نحبكم، ولا نثق بقدرتكم على إدارة مدرسة ابتدائية”، ولعل وضع كلام الشيشكلي ضمن سياق تحولات الحياة الحزبية في سوريا الخمسينات وما تلاها يوضح إلى أيّ درجة، كان العسكريون لا يرون في الفئة المثقفة من الحزبيين، سوى مجموعة من الشعراء الحالمين، الذين يمكنهم إلهاب خيال الجماهير، لتسير وراء الشعار السياسي، لينقضّ العسكريون لاحقاً على القيادة وليستأثروا بالسلطة، مبعدين أعداءهم، والذين يقف المثقفون بمواقفهم النقدية في طليعتهم.

وإذا كانت قدرة سامي الجندي العالية على تحمل الصراعات السياسية، قد جعلته يدخل في المشهد العام حتى نهاية فعالية القوى السياسة، على يد النظام الذي ألغى الحياة الحزبية والعامة في سوريا منذ 1970، فإن قدرة أخيه إنعام على التحمل بدت أقل وأقصر بكثير، فقد غادر سوريا إلى لبنان منذ أن تسلط الشيشكلي ذاته على السلطة، حيث يروي قريبه محمد الجندي عنه أنه “ألقى قصيدة في وجه الدكتاتور المستجد مطلعها:

“يا جبان من تخيف؟

ليس في الدرب ضعيف

دربنا في حلك الليل مخيف”.

وفي لبنان، عمل مدرساً وبدأ بنشر المساهمات الأدبية في صحفه ومجلاته، إذ إنه وفور وصوله شارك وفاز في مسابقة للقصة القصيرة أعلنت عنها إحدى المجلات عبر قصة قصيره بعنوان “سأربح الجائزة”.

تشكيل الوعي القومي

صفحات المجلات الأدبية اللبنانية ولا سيما منها مجلة “الأديب” في الخمسينات تزخر بمساهمات أدبية لإنعام الجندي، إلا أن ذكر الرجل في المشهد اللبناني عامة غالباً ما كان يتوقف على مساهمته في تشكيل الوعي القومي، لدى العديد من أفراد الجيل الثقافي والسياسي هناك، وضمن هذا السياق تحدث عدد من الباحثين اللبنانيين عن دوره، حيث يقول حازم صاغية في دراسته عن البعث في لبنان “نشط إنعام الجندي في مجال نشر الدعوة في هذا الوسط، وهو الكاتب البعثي السوري المقيم في لبنان، والعامل في التدريس والصحافة معاً. كذلك حضر أساتذة البعث الكبار. فقد جاء انتقال عفلق والبيطار والحوراني إلى بيروت، أوائل الخمسينات، هرباً من دكتاتورية أديب الشيشكلي، بمثابة تأسيس لمحطة مرجعية يحج إليها المحازبون الأوائل ويسألونها فتاواها. وعلى مدى سنوات لاحقة، استُخدمت بيروت مطبعةً للبعث في سوريا، ومكاناً للقاء (الأساتذة) بالصحافيين الأجانب، فضلاً عن توفيرها البيت والفندق والمقهى لبعثييها حين يهربون من حكامهم العسكريين”.

أما إلياس الفرزلي فيروي قائلاً: ”التقيت عفلق بعد مغادرته سوريا برفقة أكرم الحوراني وصلاح الدين البيطار عام 1953 لتفادي أديب الشيشكلي. لجأ الثلاثة إلى لبنان. وفي ذلك الحين، كان زميلي في التعليم إنعام الجندي، وهو بعثي كبير من الجيل الثاني للحزب، وشقيق سامي الجندي الذي أصبح وزير إعلام بعد 8 آذار في سوريا. وكان مسؤول الاتصال القومي في الحزب. ودفعتني صداقتي به إلى التعرف على عفلق والبيطار والحوراني في بيروت”.

بدوره يسهب معن بشور في رواية أخرى عن تأسيس البعث في لبنان فيقول “الخلايا الأولى، أشرف على إعدادها وتثقيف أعضائها المدرّس السوري القادم من السلمية إنعام الجندي الذي ترافق عمله التأسيسي مع تنام واضح في دور حزب البعث في سوريا في مناهضة حكم أديب الشيشكلي (1951 – 1954)، ومع لجوء مؤسسي البعث عفلق والبيطار، ومعهما مؤسس الحزب العربي الاشتراكي أكرم الحوراني إلى لبنان، حيث تكونت بوادر الوحدة بين الحزبين (البعث العربي والعربي الاشتراكي) في حزب البعث العربي الاشتراكي”.

تأسيس الإعلام العربي

غير أن تأثير الرجل لم يكن حكراً على البعثيين، حيث روى الشيوعي كريم مروة في حوارٍ أجراه معه الصحفي صقر أبو فخر عن تأثير إنعام الجندي به وبعددٍ من زملائه فقال “لا بد من الإشارة إلى الدور المباشر الذي لعبه أستاذنا في الكلية الجعفرية إنعام الجندي في توجيه وعينا وتهذيبه. وإنعام الجندي كان متأثراً بزكي الأرسوزي، رغم أنه ينفي ذلك اليوم. وطالما حدثنا عنه وعن فكره وطموحاته وتصوراته لمستقبل الأمة العربية. ولأن إنعام الجندي كان يتميز بصفات إنسانية لافتة كنا نشعر ـوهو أستاذناـ أنه واحد منا. كنا نعيش معه ونخرج معه ونلعب معه، ونمضي السهرات الطوال معه في الحديث والنقاش في أمور عديدة، سياسية وثقافية واجتماعية. وقد أسهمت طريقته هذه في التعامل معنا ببث الوعي فينا، قومياً وفكرياً”.

غرق إنعام الجندي في العمل الحزبي، لم يجعله بعيداً عن مجاله الأول أي التدريس والكتابة الصحفية والإبداعية، فقد كان حاضراً في عمل عدد من الصحف والمجلات اللبنانية كجريدة “الصحافة” و”الأسبوع العربي” و”الدستور” و”الوطن العربي” و”الفجر” و”الطليعة العربية”.

كما ساهم في العديد من المطبوعات العربية، حيث نعثر على مساهمات تأسيسية لافتة له في مجلة العربي الكويتية منذ العام 1959 تذهب في معظمها نحو التأكيد على نزعة عروبية قومية، كدراسته التي حملت عنواناً يدل على مضمونها هو “شعوبية ابن المقفع، كما تشهد بها كتبه وتنطق بها رسائله”.

بقي إنعام الجندي في لبنان رغم كل المخاطر التي واجهت هذا البلد بشكل عام، وواجهته بشكل خاص، ضمن سياق الاصطفافات التي شهدها البعثيون ضمن سلسلة الانشقاقات، بين من يتبعون القيادة القومية ميشيل عفلق، ومن تبع القيادة القطرية في دمشق، والتي مرت بعدة أطوار، ناصبها العداء، بسبب تخليها عن أفكار البعث الأولى وتحوّلها إلى واجهات لصراع المصالح والنفوذ.

وهكذا شكل اصطفافه مع تيار عفلق خطراً عليه، ولكنه لم يتخل عنه، فساهم في أدبيات التيار طيلة عقود، حيث يروي رفيق دربه العراقي علي نافذ المرعبي في كلمة تأبينية عنه نشرها في موقع “شبكة البصرة” قائلاً “منذ أن عرفته قبل حوالي أربعين عاماً، استمر الود والعلاقة الفكرية والنضالية سواء في لبنان في كل المراحل صعوبة وخطورة، وكنت أواظب على زيارته في منزله بزقاق البلاط خلال الحصار الصهيوني عام 1982 وتأمين ضرورات الحياة له ولأسرته، ولاحقاً في فرنسا عبر نضال دؤوب دفاعاً عن قضايا أمتنا العربية وخاصة فلسطين والعراق حيث تعاونا في إصدار دوريات عربية تعني بالدفاع عن ما نؤمن به فأصدرنا “الفجر الجديد” عام 1990 والتي استمرت حتى العدوان على العراق. ثم أصدرنا لاحقاً أسبوعية “صوت الأحرار” عام 2003 باللغتين العربية والفرنسية”.

تعرّض إنعام الجندي لمحاولة اغتيال في بيروت دفعت به للمغادرة إلى فرنسا، ومن ثمة إلى الولايات المتحدة الأميركية، ليتنقل بينهما، حيث عاش ابتعاداً عن الأوساط السياسية والثقافية، كانت تخترقه محاولات صناعة فضاءات جديدة في الثقافة والمعرفة، غالباً ما كانت تفشل في زمن انحسار الوعي القومي لصالح التوجهات القطرية والمحلية، ومن هذه التجارب محاولته مع المرعبي في عام 2008 إطلاق مجلة ثقافية فكرية تحمل عنوان “ذرى”.

مساهمات الجندي الأدبية كثيرة، ولكن لم ينشر منها سوى القليل، حيث نشر رواية “زمن الرعب” في العام 1961، و”انفجار” في العام 1975، ورواية “الجرثومة” في العام 2007. وكذلك هو حال مؤلفاته السياسية، والتي نشر منها في العام 1959 كتاب “إلى أين يسير الشيوعيون بالعراق؟” والذي كتب مقدمته الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

عرف الجندي في الأوساط الأدبية كمترجم للعديد من الكتب المهمة، كرواية “الغريب” لألبير كامو في العام 1955، ورواية “مائة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز، التي ترجمها بالاشتراك مع أخيه د. سامي في العام 1979. إلا أن إنعام الجندي كتب في النقد الأدبي وفي الفلسفة مؤلفات عدة اعُتبرت بمثابة مراجع يعود إليها الباحثون في تاريخ الأدب العربي، ومن هذه الكتب “الفلسفة عند العرب” في العام 1965، وكتاب “دراسات في الأدب العربي” في العام 1967، وكذلك كتاب “الرائد في الأدب العربي” في العام 1981، وأيضاً “المتنبي والثورة” في العام 1992.

غير أن آخر مساهماته في حقل الترجمة كانت كتاب “الديمقراطية بوجه داعر” للمحامي الفرنسي جاك فرجيس والتي لم تصدر حتى الآن، لعدم التوصل إلى تفاهم مع دار النشر الفرنسية التي تملك الحقوق. كما يقول المرعبي.

المذكرات الخطرة

كتب إنعام الجندي مذكراته عن حياته السياسية، ولكنها بقيت مخطوطة مكتوبة بخط يده، وقد ذكر الإعلامي الأردني عدنان العطيات المقيم في كاليفورنيا، أن الراحل زوّده بنسخة ليطّلع عليها، حيث نشر العطيات الصفحة الأولى منها على صفحته على موقع فيسبوك، حيث كتب الجندي وتحت عنوان “ذكريات الوطن الدامي” يقول “من البدايات: لم أكن أفقه شيئاً مما يدور في مدينتنا الصغيرة، ولم تكن لديّ أيّ فكرة عما يدور في ما يسمونه العالم، كانت حدود العالم تنتهي بحدود مدينتي، بل بجزء منها، فأنا لم أكن بلغت كل أطراف مدينتي. ما كان عمري؟ لا أدري أكاد لا أفيق، حتى أجد طريقي إلى بيت المؤونة، فإلى الزاروب ومنه إلى طريق عام، فإلى زاروب آخر، فإلى المقبرة، مروراً بجامع الإمام إسماعيل! بهذه المناسبة أذكر أن سلمية (بلدتي) عرفت بأنها عاصمة المذهب الإسماعيلي، ولكنها تضم مذهباً آخر، هو السني، وقد علمت في ما بعد، أن والدي من دعا إليه، وعلمت بعد زمن طويل، من مخطوطات قديمة كانت لدى والدي أن إسماعيل بن جعفر الصادق، رفض قرار أبيه بالتخلي عن العمل السياسي، والانصراف إلى العمل الحضري، فلاحقته السلطات، فأعلن أبوه أنه توفي، وخرج المواطنون في بغداد لتشييعه، فلما صاروا إلى المقبرة، خرج إسماعيل من التابوت، ليمتطي وبعض صحبه خيولاً، اتجهوا بها غرباً حتى السلمية حيث استقروا وقد بنوا جامعاً دعي (جامع الإمام إسماعيل) فلما توفي دفن في قبر ما يزال، في ما يشبه الغرفة على يمين الباب، أي باب الجامع. والاسماعيليون يجللون القبر بالشاش وهو قماش رقيق يأخذون منه خلعاً (أي مزقاً) تيمناً وتبركاً”.

ويتابع:

“اعترض طريقي يوماً أحمد ميوس،

– إلى أين؟

– إلى بيت جدتي أم أمي.

– ألا تريد التعرف إلى قبور العائلة؟

مضيت معه

– هذا قبر جدك علي، هذا قبر جد أبيك أحمد، يقال إن جد أبيك إسماعيل اعتقله العثمانيون، ورحلوا به ولم يعد، هذا قبر عمك سليمان، هذا قبر عمتك فاطمة ، هذا..

لم أكن أفهم معنى القبر، والموت، قلت لأحمد، سأسأل جدتي، قال: لم لا تسأل جدك؟

مضيت، أحسست بصقيع أكرهه. كنت أحب السير حافياً، ذلك الصباح أزعجتني برودة التراب. (كل أزقة السلمية تراب)، ولكني تابعت حتى بلغت باب الدار.

الباب مغلق إلا باب الخوخة، وهو باب صغير وسط باب الدار الضخم، وجدتي تصيح: أمسكوا الحصان الحديدي، خفت من ذلك الحصان، وتسربت إلى حضن جدتي، التي ضمتني كأنها تخشى عليّ من أذى ما، ضحك حسين السيد حتى كاد يسقط من طول ما ارتجف وهو يضحك، قال لجدتي: إنها سيارة يا أم محمد، والواقع أنها أول سيارة تدخل المدينة الصغيرة!”.

رحل إنعام الجندي قبل أيام، بعد أن عاش في عزلة اختيارية، وفيما نعاه بعض عائلته والأصدقاء، كان النعي الرسمي الوحيد هو بيان للقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في قطر العراق.

علي سفر

العرب [ 2015/09/13، العدد: 10037، ص(8)]

 

Advertisements