“إذا جاء يومي فلا يحزن أحد، لأن يومي أزف، فقد شربت من دن الحياة كل ما حوى من بؤس”

كلمات تختصر رحلة العمر وتودعها من دون ضجيج، كأنها إعلان لنهاية تقترب، أحسها الدكتور سامي الجندي، وهو يسطر آخر أعماله رواية “سليمان”، ليمضي بعدها بصمت في الرابع عشر من كانون الأول عام 1995

رحلة امتدت على مدار خمس وسبعين عاما (1920-1995) توزعتها جهات الأرض وعوالم التجربة المنوعة، وتلك الرغبة في التأسيس والبناء لزمن تشرق فيه الشموس كلها، رغبة لم تكتمل أبدًا، لكن العمر كان قد اكتمل.

كان من المؤسسين الاوائل لحزب البعث، وكان عضوا في مجلس الأمة زمن الوحدة بين سوريا ومصر، كان وزيرا للثقافة ثم الإعلام وسفيرا لسوريا في باريس، حيث عقد صداقات مع أبرز وجوهها الثقافية والسياسية امثال شارل ديغول اندره مارلو وأراغون.

درّس في جامعات بيروت، زاول الصحافة، وكتب الأدب، وأنجز دراسات هامة أبرزها “عرب ويهود”، و “دراسة نقدية في أدب أراغون، وحين اتجه إلى الترجمة اختار من العناوين ما انفتح بالكامل على روح الحداثة ببعدها الأكثر إنسانية، اختار كافكا، أراغون، غابرييل ماركيز، استورياس وإيزابيل الليندي.

وحين جاء دور “سليمان” كانت معالم الدرب اتضحت بلا التباس وحكمة المعاش بلغت أوجها، فظهرت الرواية وكأنها امتداد لجملة تضمنتها رامة الشحاذ: “الآن فقط في حضور الموت وبعد كل نهارات وليالي الإبحار هذه انتبهنا بدقة للأشياء لأبعادها الحقيقية وألوانها، فقيمناها بذاتها لا بظلها الذي ألقته”.

من هو سليمان..؟

سليمان قلب الرواية، ومرآة جيل وُلد في ظلال البؤس والاحتلال، حلم بالتغيير وحلمه هذا قاد خطاه إلى مشارف تجارب غامضة توجت جميعا بالخيبة والفشل، وسليمان فتوة تنضج عشقا وتمردا كسرها الحب والسجن، فلاذت تبحث عن خلاصها في الزهد وعلى أبواب الشيوخ، وحين تفيض به شجون الخيبة تنهمر أغان حزينة على أوتار ربابته والروح، كانها آخر ما تبقى من تعبيرات رفضه الطويل، وحين تستحضر هذه التجربة ذاتها من غياهب الذاكرة أو المخيلة تبتعد شيئا فشيئا عن منطق الحياة الصارم، وتلتحم تدريجيا بما يشبه الملحمة مثيرة أثناء ذلك الكثير من التساؤلات حول ماهية الوجود وآليات تحوله: “أسئلة خالدة تبقى بلا جواب خالد، لأن الإنسان لم يوجد كي يجيب، بل ليحار إذ يتساءل… هذه الحيرة هي مبرر وجوده.. هي العبث!” (ص132).

سيرة الوجد

ينسكب النص أمام قارئه بسلاسة مدهشة، لغة عذبة، جمل قصيرة تظل مفتوحة النهايات لمزيد من الاسترسال والتأمل، حركة حية تصعد الأحداث وتفرعها دون قسر راسمة مناخات غرائبية، تستمد روحها الجذابة من طرائق بناء السير الشعبية، وتحمل مثلها تأملات المعاش وحكمته..”يا بني لا ثأر لمن يقتله الجائعون.. يذهب كما ينطفئ نور عابر” (ص45)

راوي السيرة هنا جزء منها، يبدأها بعد عودته من بيروت إلى مدينته “مجيد آباد” سنة 1982 ذات يوم، حيث تختلط الذكريات الأخبار والمعاش فيقدمها للقارئ بخطاب مباشر يفتتح معظم فصول الرواية: “أفضل لك أيها القارئ إذا وصل بك الترحال إلى مجيد آباد ان تخلع نعليك، لا لأنك بالوادي المقدس طوى، وإنما كي لا يستهجن حذاءك الحفاة، لا أريد أن أقول كل الناس في مدينتنا حفاة، وإنما شبه حفاة يلبسون الخف صيفا وشتاء، وقد اهترأ بعضه لا لأنهم يفضلونه مهترئا، وإنما لكي يبرزوا سيماء قدرهم” (ص21).

ثم تواصل السيرة خطوها بشكل محبب بين انطباعات الراوي وعلاقته بالمكان والشخوص، وبين الأحداث التي ما إن يطلق شرارتها الأولى حتى ينسحب ويدعها تسير بحرية نحو نهاياتها في سياق متقن الصنع يعي عمق اللغة ودلالات الفعل..”كأن مدينتي مزمعة دائما على الرحيل إلى جهات الأرض الأربعة وتغري أبناءها بالهجرة، تجدهم أنى حللت كمزق ثوب اهترأ وفي عيونهم دمعة حنين للعودة إلى ترابنا البخيل” (ص39).

رائحة النهايات

رائحة التجربة وعمق التأمل تفوح من ثنايا سليمان يكثفها من حين لآخر حوار مختصر، حافل بالدلالات التي تؤطر الفعل بمغزاه الاخير:

-ألم أقل لك حين غادرتنا في رحلة الاكتشاف العالم إياك ان تركب جوادا أبله..؟

-وماذا عن الجواد الأبله يا سليمان

-يغدو بك حتى قلب الصحراء، فتفقد ذاكرة المدن، وتموت غما في مرافئ الجدب

-كل الخيول التي راهنا عليها في سياق التاريخ كانت بليدة (ص74).

وتنتهي صفحات الرواية بموت سليمان، صفحات تحمل مذاقا وإيقاعا خاصا لا نستطيع أن نلمس حقيقته، إلا إذا تعرفنا على السلمية مسقط رأس الكاتب ومثواه الأخير.

وبعد تحضرني كلمات أراغون بقوة: أخذني البكاء فجاة على كل الذين رسموا على الجدران سر قلوبهم، البوح، والنداء، والاعتراض ضد الغياب”.

وبعد ما من أحد يرحل، كلنا باقون في ذمة التاريخ وقلوب الذين أحبوا بصدق.

تهامة الجندي

صحيفة “الرأي العام” الكويتية

أواخر عام 1996

Advertisements