تستمر المحّرقة السورية بابتلاع ضحاياها من المدنيين العزّل، متجاوزة كل معايير المنطق والعقل والأخلاق، بحيث يبدو المشهد، وكأنه ضرب من ضروب العبث الشيطاني الغير قابل للتصديق أو التحليل. فبعد انتشار جرائم “داعش” في الدول الغربية، فقد الناشطون السوريون الكثير من مناصريهم في العالم الحر، فيما أُعيد الاعتبار لنظام الأسد كحليف في مواجهة الإرهاب.

وتحت غطاء محاربة الإرهاب الداعشي، اجتمعت طائرات النظامين السوري والروسي، لضرب المناطق المحرّرة ومواقع “الجيش الحر”، فيما لم تنجح كل جهود المجتمع الدولي ومواثيقه، بإلزام النظام السوري وحلفائه بتحقيق الحد الأدنى من المطالب الإنسانية، الكفيلة بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، بدءا من الكفّ عن قصف التجمّعات الآهلة بالسكان، إلى إدخال المساعدات الإنسانية وإطلاق سراح معتقلي الرأي.

خرج السوريون إلى الساحات للتعبير عن رغبتهم بالخلاص من الاستبداد والفساد، ووجدوا أنفسهم في مرمى النيران والسجون. أكثر من مليون منهم قضى، وهو يحلم بالحرية وحقوقه المهّدورة، ومع هذا العدد تفوّقت جرائم النظام السوري على جرائم هتلر وستالين بالقياس إلى عدد السكان، وبالرغم من ذلك تُمارس كل الضغوط الدولية على قوى الثورة والمعارضة السورية للقبول بحكومة انتقالية يقودها الأسد، بدلا من الدفع باتجاه الحّل السلمي الذي أقرته بنود جنيف.

مما لا شك فيه أن قوى الثورة والمعارضة بكافة فصائلها السلّمية والعسكرية، قد وقعت في الكثير من الأخطاء، التي ينبغي تصويبها، لكن أغلب تلك الأخطاء جاء كرد فعل فطّري على سياسة الإستقواء والبلطجة المكشوفة التي يمارسها النظام السوري والدول الداعمة له، لتعطيل أية مبادرة سلّمية، وسد أي أفق باتجاه إيقاف الحرب الدائرة فوق رؤؤس السوريين منذ سنوات، ومن بديهيات القول، إن العنف لا يجلب إلا المزيد من العنف والتطرّف والأزمات، التي تغدو في لحظة ما مسّتعصية تماما.

كذلك مما لا شك فيه، أن تنظيم “داعش” وأخواته من مختلف التنظيمات التي تتبنى فكرا تكّفيرا مقاتلا، باتت تمارس تهديدا حقيقيا على الدول الغربية، بما تقوم به من عمليات انتحارية على أراضيها، وهذا بالطبع يستدعي تحالفا دوليا لمواجهة خطرها الداهم، لكن ألا يحق لنا أن نتساءل: ما هو الفرق بين هذه التنظيمات وبين ميلشيات حزب الله والحرس الجمهوري الإيراني وغيرها ممن تقاتل إلى صف النظام السوري؟ أليست جميعها وجوها لعملة واحدة هي التكفير؟ أليس المسلمون عموما، والسوريون بشكل خاص، هم من أكثر ضحايا هذه التنظيمات، سيما النشطاء السلّميون والإعلاميون منهم.

بغض النظر عن تباين التسميات والشعارات والمقاصد، فإن نهج ما يدعيه النظام السوري بإدارة الأزمة، يتقاطع مع نهج التكفير الذي تمارسه الجماعات المتطرّفة لإقامة دولة الخلافة. يتقاطع النهّجان عند نقطة مفصلية، هي تحويل سوريا إلى ساحة حرب طويلة الأمد، تشارك فيها الجيوش والمليشيات والمقاتلين من مختلف الجنسيات، ويذهب ضحيتها المدنيون العزّل، ما يدفع بالمزيد من موجات نزوح المروّعين، جلّ حلمهم الوصول إلى بلد آمن يحميهم، ومع قبولهم المجازفة لتحقيق الحلم، يتعرضون إلى أشكال جديدة لقتلهم، من الغرق في عرض البحر، إلى التجمّد في الصقيع، أو الاختناق بالصهاريج والمقطورات المغلقة.

بات نصف سكان سوريا خارج حدودها، يتوزعون في أصقاع الأرض، بعضهم حصل على إقامات دائمة أو مؤقتة، وبعضهم مُنح حق اللجوء بحقوق كاملة أو منقوصة، لكن أغلبهم لا يزال يقبع في مراكز ومخيمات للإيواء، تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الصحية والإنسانية، وجميعهم أصبح يشكل مصدر قلق حقيقي للدول المضيفة، يجري تداوله تحت عنوان احتواء أزمة تدفق اللاجئين.

خمس سنوات، ولم تكفّ المنظمات الحقوقية الدولية عن توثيق الجرائم والانتهاكات الفاضحة، التي تُمارس بحق الشعب السوري، من الخطف والاختفاء القسّري والتعذيب الوحشي في السجون، إلى التجّويع في المناطق المحاصرة، فالاتجار بهم في مناطق اللجوء. خمس سنوات لم تقف عدسات الإعلاميين عن التقاط مشاهد الدمار والقتل بطائرات النظام السوري وأسلحته بما فيها المحرّمة دوليا، ولا عن تصوير بؤس النازحين والغرقى والعالقين على الحدود المغلقة. خمس سنوات ولم تتوقف نداءات الاستغاثة، ولا حملات المناشدة وبيانات التنديد، التي يطلقها السوريون، لإيقاف المقّتلة الجماعية ومحاكمة المجرمين، أيا كانوا. ويتساءل العاقل، قبل أن يُصاب بالذهول الكلي، واليأس المطّبق: ألا تكفي كل هذه الوثائق والحقائق الدامغة لإدانة أي نظام حاكم في العالم؟ ألا تكفي صور قيصر وحدها لتنحية نظام الأسد؟.

تهامة الجندي

27/9/2016

Advertisements