مثلما كانت أفلامه تباغتُ الحياة في بؤرها الأكثر حساسية، والأقدر على كشف المستور، لتعزف لحنها الخاص، وتقول كلمتها الجريئة دون مواربة أو محاباة، كذلك كان رحيل المخرج السوري عمر أميرلاي (1944-2011) صاعقا وصادما، يحمل الألم الصريح في مسافة حرجة يريدها الشباب العربي أن تكون مفصلا قاطعا بين حدين: زمن القمع والصمت، وزمن الحرية وحق إبداء الرأي والتعبير.

كانت أولى الصور التي التقطتها عدسة إميرلاي هي اقتلاع أول حجر من شارع في باريس أيام انتفاضة الطلبة عام 1968، وكانت آخر الصور التي أغمض عليها عينيه الثورة في تونس والقاهرة، وبين المشهدين وهب صوته للمعارضة، ونذر فنه للدفاع عن هواء حر يتقاسمه الجميع في مجتمع مدني يتطلع نحو النور والنهوض.

وبديهي القول إن موقف إميرلاي المبدئي من الحياة والفن كان قد تشكّل في مختبر نشأته الأسرية والعوامل المحيطة به، مذ ولادته في دمشق عام 1944، وحتى انتقاله للعيش والعمل في باريس أوائل الثمانينات، فعلى المستوى العام كانت تلك الحقبة التاريخية تمور بشتى أنواع التحولات، أما على الصعيد الشخصي فقد قال لي في حوار أجريته معه لمجلة “نزوى”: “أتاحت لي الظروف أن أترعرع في مناخ منفتح جدا، لا يملك أجوبة جاهزة، بالأحرى لا يملك أجوبة على الإطلاق، بل يتلمس الهواء الثقافي، فعدم وجود الأب ألغى مفهوم السلطة، وأخي الكبير كان رساما تشكيليا، ينتمي إلى الجيل الأول ما بعد الاستقلال الذي حمل على كاهله مهمة التأسيس، كان جيلا منفتحا بالفعل، يعي أن مجتمعاتنا لا يمكن أن تبني نفسها وثقافتها إلا عبر الاطلاع والانفتاح على ما يجري في العالم، بهذا المعنى شهدت فترة الخمسينيات وبداية الستينيات حراكا ثقافيا تنويريا، قبل أن تخضع خيارات المجتمع والإطلالة على الثقافة لمطرقة الفكر القومي وسنديان الفكر السلفي وما بينهما الفكر اليساري، الثلاثة يلتقون فيما بينهم حول النظرية الشمولية لفهم العالم وقراءته، وكل منهم يعتقد بأنه يمتلك الحقيقة ويمسك بالعالم… هكذا أفّلتُ من هذه المؤثرات الثلاث، وظلت الثقافة بالنسبة لي فضاء مفتوحا، يبدأ ولا ينتهي بما أنزلنا عليكم في صحائفنا”.

عاش إميرلاي حياة غنية بالتجارب مليئة بالمفارقات، فقد بدأ رحلته الفنية برسوم الكاريكاتير التي نُشرت في بعض الصحف السورية واللبنانية، وفي عام 1964 التحق بكلية الفنون الجميلة، لكنه لم يكمل الدراسة، بل غادر إلى باريس لدراسة السينما عام  1966، أما لماذا اختار التشكيل، ثم غادره إلى السينما؟ فقد قال: “ليس لي أن ادعي بان السينما كانت منذ بداياتي مصدر فضول وانجذاب، مثل ما هو موجود في مجتمعات أخرى تفرز مواهب أبنائها بشكل مبكر، فالخيارات عندنا غالبا ما تتم بشكل قسري، أو بالإيحاء من توجهات المجتمع وبالتحديد من خلال تدخل المحيط القريب بالكائن العربي، لذلك فهو قرار جماعة أكثر مما هو قرار فردي، هكذا لا استطيع أن أقول إنني منذ وعيت على الحياة كنت أراها في كادر سينمائي، وكان من الطبيعي أن تكون أول المؤثرات تشكيلية، وبدأت بدايات شبه محترفة، طبعا لم أتعامل مع هذا الفن إلا من خلال جانبه الذي يعبر عن الرفض والتمرد وعدم قبول الأشياء كما هي، لذلك كان هناك نوع من العبثية في عملي، لكنها عبثية بناءة تبحث وتتلمس الأسس التي تعتقدها سليمة، وهكذا رسيت في النهاية على رسم الكاريكاتير، ثم دخلت كلية الفنون الجميلة بدمشق، وكنت أعتبر نفسي فنانا خالصا، ليس به حاجة لمن يعلّمه، ما كنت أحضر دروس الرسم، وإذا رسمت كنت أرسم بعكس ما يوجهونني، وحين كان يضع أستاذنا ناظم الجعفري طبيعة صامتة أمام النافذة، كنت دائما أرسم عكس مصدر النور الطبيعي، وحين كان يسألني من أين أتيت بهذا الضوء؟ أقول له من عندي، وهذه كلها مؤشرات إلى أنني كنت ابحث عن نغمي الخاص”.

في باريس مرة أخرى لم يحالف الحظ عمر في إتمام تحصيله الأكاديمي بسبب أحداث الطلبة، غير أنه استطاع أن يشق طريقه في عالم السينما التسجيلية كمخرج له بصمته المميزة وإسهامه الخاص، وعن هذا الجانب قال: “لم تستمر الدراسة، وهذه المرة ليس بسبب تمردي، بل بسبب تمرد المجتمع الفرنسي الذي فجّر أحداث الطلبة عام 1968، هكذا لم أكمل مشوار التأهيل الأكاديمي، مباشرة انقذفت إلى الشارع، ومنذ البداية اقترنت عندي مهمة السينما ورسالتها بعلاقتها المباشرة بالشارع، وكانت أول صورة التقطتها هي اقتلاع أول حجر في شارع باريس ذلك العام، هكذا كان مدخلي إلى السينما، ومنذ البداية اقتنعت أنها ملك الواقع الحي، وأن السينمائي إنسان صاحب موقف”.

بعد عودته إلى دمشق قدّم إميرلاي فيلمه التسجيلي الأول “محاولة من وادي الفرات” عام 1970، ومن بعده “الحياة اليومية في قرية سورية”، ثم “الدجاج”، وجميعها من إنتاج القطاع العام، كما أسهم في تنشيط النادي السينمائي، قبل أن ينتقل للعيش والعمل في باريس عام 1980 وحتى أواخر حياته.

وكان إميرلاي الوحيد من بين معاصريه السوريين الذي ظلّ وفيا للفيلم التسجيلي طيلة رحلته الفنية التي استمرت أربعين عاما، وأسفرت عن عشرين فيلما، صوّر خلالها حياة الناس البسطاء، كما رسم بورتريهات لقادة سياسيين هامين كرفيق الحريري وبناظير بوتو، أو شخصيات ثقافية مرموقة كسعد الله ونوس وفاتح المدرّس.

منذ بداياته وإلى آخر أفلامه “إغراء” الذي لم يكتمل، عمل إميرلاي على التأسيس للغة سينمائية تسجيلية، تقع في الحدود الفاصلة ما بين الوثائقي والروائي، فعدسته تبقى وفية لمفردات الحياة، بينما يحمل تتابع لقطاته بعدا دراميا ذي لمسة إبداعية خالصة، لقطات تختزن الكثير من العمق والشفافية، وتبحث عن مداها الجمالي المعرفي الخاص والمتعدد المستويات بكثير من الحساسية، تقنعنا بأن الواقع قد يكون أكثر إثارة وغرائبية من الخيال، وأن الفيلم التسجيلي يمكن أن يضاهي الأفلام الروائية بقيمته الفنية ومتعة التلقي، لغة شكلت منعطفا على المستوى السينمائي السوري، وانتزعت الاعتراف بأهميتها على المستوى العالمي.

أما عن طريقة المخرج المميزة في إنطاق الواقع وإعادة تشكيله سينمائيا فقد قال: “الجدية والرصانة التي يتطلبها كل عمل فني هي الضمانة للوصول إلى نتيجة جيدة من حيث الصنّعة، أما روح الصنّعة فهي تتسامى بقدر ما تكون مسؤولة، غير متهاونة وغير متصالحة، بقدر ما تسعى للبحث عن حقيقة الأشياء وتخرج دون مواربة أو حماية أو حسابات، كل هذه المفردات تشكل جملة أساسية لعمل فني جيد على مستوى الصنّعة والروح، سواء كان هذا العمل قصة أو قطعة موسيقية أو لوحة، لذلك اعتقد أن تحت عنوان السينما التسجيلية لا يوجد قوانين ثابتة أو محددة ونهائية، ولا اعتبر نفسي ولا للحظة أنني بعيدا عن القوانين المحّكمة والصارمة للفيلم الروائي… منذ البداية كنت أعتبر أن العمل مع الواقع يجب أن يتم من موقع ندي لا ينضوي تحت إعادة الوثائقية، ولا تحت النزعة الروائية التي يسمونها إعادة بناء الواقع بالخيال، وإنما اشتغلت على هذا الحد الفاصل ما بين الوثائقي والتسجيلي”.

على الرغم من إقامته الطويلة في المهجر فإن أغلب موضوعات أفلام إميرلاي تتعلق بإشكالات الواقع العربي وأزماته، فيلمه “مصائب قوم” مثلا يدور حول الحرب الأهلية في لبنان، و”الحب الموؤود” يتحدث عن هموم المرأة العربية، و”العدو الحميم” عن المهاجرين العرب في فرنسا، و”هناك أشياء كثيرة كان يمكن أن يقولها المرء” يتناول الصراع العربي الصهيوني، و”الطوفان” يعيد قراءة تجربة حزب البعث، غير أن إلحاحه على الموضوع العربي لا ينبع من موقع حنين المغترب إلى فردوسه المفقود، بل يحمل في طياته حسا انتقاديا لاذعا، يبعثه شعور عميق بالغضب وعدم الرضا عن أحوال البلاد والعباد، يشرحه عمر بقوله: “اعتقد أنني اشترك بشعور الغضب مع عدد كبير من الواعين لواقعهم العربي، فليس ثمة ما يفسر انحطاط حالنا وما آلت عليه أحوالنا، هزائمنا واستسلامنا، بتنا ممسوخين، عالم عربي لا يوجد فيه نتوء، كيف يمكن في لوحة كهذه استعمال ألوان زاهية، أو فراش نظيفة غير ملوثة برماد وسواد العالم العربي؟ ليس لدي استعداد لان أكذب على نفسي، وإن حدث واستسلمت روحي ونفسي، فإن عيني لا تستطيع الكذب، والكاميرا لا تكذب أبدا”.

المفارقة المثيرة للأسف في سيرة هذا المخرج المبدع أن الجمهور السوري ظلّ محروما من فرصة الإطلاع على نتاجه الهام بسبب منع الرقابة لعرض معظم أفلامه حتى في إطار المهرجانات السورية الدولية، وربما يكون فيلم “الدجاج” خير مثال لثنائية الأهمية والمنع، فهذا الفيلم الذي يتمتع بقيمة فنية عالية، ويشكّل حدا فاصلا في تجربة إميرلاي ما بين العمل لصالح القطاع العام في سوريا والعمل في المهجر، هذا الفيلم أنتجه التلفزيون العربي السوري عام 1977، ومنذ ذلك الحين تم عرضه لمرتين فقط، واحدة بعد عام من إنتاجه، ثم حظي بعرض جماهيري ثان في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق عام 2002.

الفيلم بالأبيض والأسود ومدته ساعة تقريبا، وهو يرصد التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على إحدى القرى السورية المسماة بـ”صدد”، وهي منطقة قديمة تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وجاء ذكرها في التوراة، أما صدد الحديثة فهي قرية جرداء شبه مهجورة، فبعد أن تخلّص فلاحوها من الإقطاع بفضل قوانين الإصلاح الزراعي، جفت مياهها وبارت أراضيها، فتحول من بقي من أهلها فيها إلى حياكة النسيج والبسط، ثم اعترى سكان القرية حمى إنشاء المداجن الحديثة وتربية الدجاج، وهي مرحلة انتهت بخسائر مادية فادحة بسبب عدم حماية القوانين لهؤلاء البؤساء من منافسة البيّض المستورد.

استخدم عمر تقنيات التحقيق الصحفي، وقارب موضوعه بأسلوب تهكمي جريء طاول التابو السياسي، فالفيلم يبدأ بمسرد تاريخي مقتضب عن هذه القرية قديما وحديثا، ثم يتوقف قليلا عند بيئتها والظروف المعيشية فيها، لينتقل بعد ذلك إلى الموضوع الأساس، أي مهنة تربية الدجاج التي زاولها سكان القرية، راصدا الأسباب والريادة وفترات الانتعاش والانتكاس، وفي كل هذا كانت عدسة المخرج  تلتقط اللحظات المركبة الأكثر تعقيدا ودلالات التي تحمل في طياتها المفارقات المضحكة ما بين الأقوال والأفعال، وأحيانا كانت تتدخل العدسة نفسها لإجراء بعض التحويرات الكاريكاتورية على المشهد.

رغم طبيعة الموضوع الجافة ومواقع التصوير الجدباء، ومعظمها جال في المداجن، غير أن لقطات الفيلم تتمتع بجماليات وحساسيات قلما نجدها في الفيلم الروائي، فالكادر مدروس بدقة وعناية من حيث التشكيل والإضاءة والقيمة الجمالية والتعبيرية والتتابع، إذ لا توجد لقطات مجانية أو مشاهد خارجة عن السياق الجمالي والذهني الذي بناه المخرج، ثمة توظيف درامي عال للقطات، بحيث تتكامل وتتنامى باستمرار، لترسم مشهدية شديدة الحساسية مركبة الدّوال ومرمّزة، ذات بنية درامية تصاعدية، سارت لا لتفسر البنية النصية للفيلم كما عودتنا الأفلام التسجيلية، بل لتتكامل وتتفاعل معها، بحيث تغدو الدلالة النهائية مختلفة عما نراه ونسمعه، وربما تكون انطلاقة عمر الأولى من عالم اللوحة والتشكيل، قد غذت لديه هذا الحس المرهف اتجاه مفردات اللغة البصرية وأشكال تفاعلها وصياغتها.

لم يكثر المخرج من الكلام في الفيلم، بل ترك للصورة الدور الأكبر في التعبير، فالأحاديث المصوّرة مع سكان القرية وأصحاب المداجن كانت قصيرة، وقد اقتطع من حين لآخر الجمل الأكثر سخرية وتعبيرا عن الحالة، ووضعها على خلفية بيضاء في مقاطع مكتوبة، ولم يلجأ إلى الموسيقى كمؤثر صوتي، بل اعتمد توظيف إيقاعات الأصوات الطبيعة وأصوات الآلات والأدوات المستخدمة في تأمين لقمة العيش، كصوت النول مثلا وطاحونة الهواء وصوت الدجاج، ومزجها ببنية الفيلم الصوتية، لتصبح عاملا دراميا شديد الأثر، قام بتهيئة المناخ العام للمشاهد ورسم إيقاعاتها الداخلية، المشاهد التي انتهت بمدجنة فارغة إلا من أصحاب المداجن المفّلسين، وفجأة ينغلق عليهم باب حديد كبير وأسود، ليثير السؤال هل هم أغراض التدجين القادم …؟ وبهذه  النهاية المأساوية الغير متوقعة، التي تختلف مع بنية الفيلم الكوميدية، حوَّل عمر اليومي والعادي والساذج إلى ملحمة بعيدة الدلالات والظلال …

بسريرة مطمئنة وقلب دافئ غادر عمر إميرلاي الحياة، غادرها وحيدا مثل الفرسان في بيته بدمشق إثر جلطة دماغية أصابته صباح الخامس من شباط 2011، وبرحيله فقدت سوريا مبدعا آخر لم تفه حق قدره.

تهامة الجندي

م: في ‏14‏/02‏/2011 أرسلت مقالتي هذه إلى مجلة الفنون الكويتية ولم تُنشر.

م: حواري مع الراحل عمر إميرلاي نُشر في مجلة “نزوى” العدد السادس عشر/ اكتوبر 1998

Advertisements