حول فيلمه “كومبارس” كتبتُ أولى مقالاتي، وأول حوار صحفي أجريته، كان مع المخرج السينمائي السوري نبيل المالح (1936-2016)، وفيه قال: “يبدو أن الحياة لا قيمة لها، من دون حرفين صغيرين يشكلان «لا» ويبدو أن الكثيرين قد نسوا هذين الحرفين…

سلام لروحه التي طالما غنّت للحرية. وفي وداعه أنشر كامل الحوار الذي أجريته معه أواخر عام 1996، ونًشر في جريدة “الحرية” الفلسطينية.

س- معروف أنك مخرج يمتلك لغته السينمائية المميزة، كيف تشكلت هذه اللغة؟

ج- منذ البعيد اكتشفت أن هناك شيئاً اسمه شخصية، أسلوباً، قد أملك مليون فكرة، لكنها لا تعني شيئاً إذا لم تصغ وفق أسلوبية محددة. فصممت منذ البداية على فكرة خلق أسلوب وشخصية مميزة لكل عمل أقوم به.

العالم كله يملك قوة خطاب ثقافي له صياغة ومنهج مميزان، وأقول لنفسي دائماً أن السينما العربية كانت ومازالت سينما مقلدة، وأتساءل لماذا…؟!

العالم كله يستعمل الكاميرا في الفيلم، لكن الفيلم الإنكليزي يختلف عن الأمريكي أو الياباني، لكل شخصيته الخاصة. الفيلم العربي لم يستطع أن يكون شخصيته، وحين يحصل ذلك تظل هذه الشخصية وحيدة المنحى، طبعاً أستثني بعض الأعمال الهامة في تاريخ السينما العربية.

حين أشاهد فيلماً يابانياً، قبل أن أسمع الكلام أو أرى الشخوص، أحس بلغوية سينمائية يابانية تختلف عن أية لغوية سينمائية أخرى. كيف يمكن أن يكون لنا لغوياتنا السينمائية الخاصة؟… كيف أكون معبرًا عن ثقافة خاصة بنا؟… كنت ولا أزال أبحث في هذا الإطار وإن اختلفت إمكانات النجاح أو الفشل لكل عمل.

السينما صناعة كبيرة مكونة من فعاليات جد مختلفة، ينبغي تسخيرها جميعاً في هدفية واحدة، دقيقة ومركزة واللغة السينمائية تقف على أرضية صلبة من المعرفة لهذه الفعاليات وكيفية تسخيرها، ومن حسن حظي أني متابع جيد لمستجدات السينما، واعتبر نفسي على الصعيد التقني ملماً وبدقة بكل تفاصيل العمل. لذلك أستطيع أن أسخره بدقة وفق ما أريد…

س- وماذا تريد ….؟

ج- في وسطنا العربي يشعر المرء وكأنه يسبح في بياض البيض، وهو تعبير خاص بي، ويعني ألاّ يعرف الإنسان نفسه هل هو «طايف على الوجه أم غرقان، ماش، راكب، أو عمبلعبط في مكانه» هذا وضع عربي عام وضع السباحة في بياض البيض حالة لزجة لا تؤدي إلى مكان.

أنا كمواطن موجوع يومياً، حتى بات الألم معادلاً لحياتي، إذا انتفى أشعر بالموت، وهذا لا ينبع من همومي الشخصية التي تبدو أقل بمليون مرة من هموم الآخرين الذين أتعامل معهم وأراهم دائماً، كما أنني محبط مثلي مثل غيري رغم النجاحات التي حققتها نتيجة لتوفر الظروف لي، لكن هناك أشخاص كثيرين في هذا الوطن أهم مني بكثير لم تُتح لهم الظروف فرصة التعبير ولا الوسيلة.

أشعر كم نحن محبطون كأمة، تعمل بجزء من مليون من طاقتها كبشر، وكقيمة مبدعة، وإذا كان بمقدوري أن أكون يوماً صوت الذين لا صوت لهم، أشعر أني وصلت إلى ما أريد…

س- لنعد قليلاً إلى البدايات، ما هي مقدمات هذا النهج الفكري والإبداعي؟

ج- أنا من جيل «بيعرف يطلع مظاهرات، بيعرف يصرخ ويصيح، ويوزع منشورات، كنا نأكل كفوف من الشرطة وننام في النظارة» كنا نعتقد أننا قادرون على تغيير العالم، فيما بعد اكتشفت أن أكبر شجاعة حققها هذا الجيل أنه لم يتغير.

يبدو أن الحياة لا قيمة لها، من دون حرفين صغيرين يشكلان «لا» ويبدو أن الكثيرين قد نسوا هذين الحرفين…

مذ كان عمري عشر سنوات كنت أشارك في المظاهرات وإن كنت في كثير من الأحيان لا أدري لماذا، لكنني أدرك أنني أستطيع أن أصرخ وأقول لا، كنت أرسم شاربي بقلم الرصاص كي أبدو كالرجال، وكنت أُضرب أحياناً من سلطة لا تعرفني ولا أعرفها تماماً.

حين كبرت أكثر بدأت أرسم وأكتب الشعر، كان عمري ثلاثة عشر عاماً حين نشرت أول قصيدة في جريدة لبنانية ممنوعة في سورية، وفي الرابعة عشر من عمري كانت لي زاوية أسبوعية في جريدتين سياسيتين تصدران في دمشق، كنت أرسل موادي في البريد أو عبر أشخاص، لم يكن رؤساء التحرير يعرفونني، كنت صغيراً جداً كي يقبلوني في الصحافة.

أبي كان يتعامل معي بصداقة، وأمي كانت مؤسسة ديمقراطية بحد ذاتها، وظرفي الاجتماعي أتاح لي أن يكون لي صديقة وأنا ابن الرابعة عشرة.

سفري إلى تشيكوسلوفاكيا في سن السابعة عشر منحني حريات كبيرة، كل القمع والشروط الضيقة التي كان زملائي يتعرضون لها، تحررت منها في وقت مبكر، وكما ترين كلها مفاتيح لتكوين لاحق، لم أكن معقداً من شيء، لم أكن مقموعاً…

س- إذًا الحرية كانت مفتاحاً وأرضية لكل العوالم التي خضتها؟

ج- صحيح، في طفولتي ضربني شرطي، وهذه الحادثة أثرت على حياتي كلها، وصرت لا أقبل أمراً من أي أحد، ولا أقبل أن أكون في أي موقع أعطي الأوامر، لا أتذكر أني أُمرت في يوم من الأيام، وإذا فعل أحدهم أعارضه فوراً مهما كان نوع الأمر، كنت مثلاً متعاطفاً مع بعض الحركات السياسية، ولكني كنت أرفض أن أكون فيها كي لا أكون مأموراً، هذا هو المفتاح الرئيسي في حياتي، أني حر، صاحب قرار، قراري الشخصي.

في لوحاتي التي أرسم لا يوجد جدران، فيها محلات ضيقة وحادة، لكن وراءها دائماً يوجد أفق مفتوح ولا شيء مغلقاً أمام العين، أنا لا أشاهد أفلاماً تحدث في السجون، أكرهها، لا أحب الأماكن الضيقة، لا أحب النظام ذا الفكر الضيق، لا أحب الحب الضيق، لا أحب الحياة الضيقة، لذلك كان همي الإنسان الذي كل شيء من حوله ضيق، لقمة أكله، حبه، حلمه، وكل أشيائه الصغيرة والكبيرة، نحن عالم لم تتح له ولا فرصة واحدة كي يكبر.

في «الفهد» جسدت شخصية الإنسان الرافض لكل شيء، الذي يحمل صليبه على كتفه ويقول لا، وحين لا تتكامل اللا مع عقل واع يدرك كيف يقولها، تذهب مجاناً في الهباء كما في «السيد التقدمي» بعد ذلك اكتشفت في «بقايا صور» أن الحلم وحده لا يكفي، يجب أن يرافقه إطار فعال وحقيقي، في فيلم «الكومبارس» وعند قراءتي للواقع الراهن، اكتشفت أن الإنسان لم يعد يطالب بالتحرير أو الديمقراطية، وإنما أن يحب بكرامة، مطلب من أصغر المطالب الإنسانية وأقلها، وفيه يكمن سبب وجودنا كله، ومع ذلك فهو غير متوفر، حينها اكتشفت لأي مدى أصبحت أوضاعنا رديئة، لأي مدى نعيش تدهوراً في الحدث العام.

س- بين «الفهد» و«الكومبارس» تمتد مسافة خمس وعشرين عاماً، كيف تقيمها، وهل استطعت خلالها أن تفعل وتوصل ما تريد وتستطيع؟

ج- رغم هذه السنوات الطويلة التي قضيتها في العمل السينمائي وقبلها الدراسة الأكاديمية، ورغم بعض النجاحات التي حققتها، مازلت أشعر أن السينما بحراً، أقف على شطآنه، أمور كثيرة عليّ أن أتعلمها، أمور كثيرة يجب أن أدركها في ذاتي…

ثمة حواجز كثيرة تنتصب أمام أي عمل إبداعي، وطبيعة عملنا كسينمائيين تفترض التعامل في وسط له امتداد جماهيري واسع، مما يخضعنا لكثير من الرقابات موجودة أصلاً حولنا، وهي آخذة بالتضخم والازدياد نتيجة لتراجع عام، وتوجهات معينة في عالمنا العربي، أضيف إلى ذلك الرقابة الذاتية التي شرّشت في أعماقنا، وكم هائل من التابوهات الاجتماعية التي لا نعرف كيف نتجاوزها، أو نحل إشكالياتها.

أشياء كثيرة نود أن نقول ونفعل ولا نستطيع…

مؤسف حقاً أن ما أردت قوله وفعله في كل أعمالي التي خططت لها ونفذته،ا هو أقل بكثير مما حلمت به، إنها أزمتي وأنا متوافق معها.

كانت مشكلتي وموضع قوتي دائماً وعلى مدى الخمسة والعشرين عاماً، إلى أي مدى أستطيع أن أكون ابن عصري؟

إلى أي مدى أنجح في تناول موضوعات لها علاقة بعصر نعيش، ولم يكن يكفيني الموضوع وحسب، وإنما الطريقة التي أعالجه بها، أعني أدواتي ووسائلي، بمعنى آخر ليس المهم أن أعمل فيلماً يحكي عن وجع ما، ولكن المهم أن أعبر عن هذا الوجع بلغة عصره.

تهامة الجندي

Advertisements