قبل أن يختفي أثر المحامي خليل معتوق في السجون السورية، أمضى أكثر من عشرين عامًا، وهو يدافع عن معتقلي الرأي، من الشيوعيين والناصريين والإسلاميين والبعثيين وناشطيّ حقوق الإنسان، ويُجمع كل من عرفه على تفانيه في عمله، وعلى نزاهته وقيم أخلاقه العالية، واختفائه القسّري بحد ذاته ينسف كل ذرائع المعولين على الإصلاح في ظل حكومة الأسد الأمنية.

وفق معلومات الإنترنت، وُلد خليل معتوق عام 1959 في قرية المشيرفة التابعة لتلكلخ في محافظة حمص. بدأ نشاطه السياسي مبكرًا بانضمامه إلى جناح يوسف فيصل في “الحزب الشيوعي السوري”، وفي عام 1987 انتسب إلى نقابة المحامين السوريين, وأخذ يزاول مهنته، لكنه في العام 2000 انسحب من الميدان السياسي بشكل كامل، لأنه بات يعتقد أن العمل في مجال حقوق الإنسان “يجب أن يكون منزهًا عن أي ميل أو هوى في السياسة، لأي اتجاه كان” كما كتب تلميذه وزميله المحامي ميشيل شماس.

تزامن قراره بالتفرغ للدفاع عن حقوق الإنسان، مع انتقال مقاليد الحكم في سوريا إلى بشار الأسد، وحلول ما يُعرف بـ “ربيع دمشق” القصير، ومنذ تلك اللحظة وحتى قيام الثورة، بإمكاننا أن نقرأ في سيرة خليل معتوق المهنية، حجم الإرهاب الفكري الذي مورس على المعارضة السورية، مع أن نشاطها في هذه المرحلة، تمحور حول قضايا التحوّل الديمقراطي ومفهوم “المجتمع المدني”، وارتكز على الأساليب السلمية والعلنية، في ظل حكومة تدعي الشروع بالانفتاح والإصلاح السياسي ومحاربة الفساد.

لم يكد محامي الرأي والضمير، أن يفتتح في منزله “مركز حقوق الإنسان”، في إطار منتديات الحوار التي انتشرت في سوريا مع بداية “ربيع دمشق”، حتى سارعت الأجهزة الأمنية إلى إغلاقه، وإغلاق جميع المنتديات الأخرى، واعتقلت أهم ناشطيّ “لجان إحياء المجتمع المدني”، ومنهم رياض الترك وحبيب عيسى وعارف دليلة ومأمون الحمصي ورياض سيف، وجميعهم أُحيل إلى محكمة أمن الدولة العليا، حيث قام خليل معتوق مع عدد من زملائه المحامين في الدفاع عنهم.

وكان لخليل معتوق يد بيضاء في الدفاع عن الناشطين الكرد في انتفاضة عام 2004، وعن معتقلي “إعلان دمشق-بيروت” عام 2006، الإعلان الذي دعا إلى احترام سيادة واستقلال سوريا ولبنان، في إطار علاقات مُمأسَسة وشفافة، تخدم مصالح الشعبين في البلدين الشقيقين، فكان رد السلطات السورية على الإعلان، أن شددت القبضة الأمنية على الموقعين عليه، واعتقلت العديد منهم، بينهم: ميشيل كيلو وأنور البني والشهيد مشعل تمو.

مع بدء الثورة السورية أخذ خليل معتوق على عاتقه الدفاع عن ناشطيها، ممن تحصدهم سجون النظام يوميًا، واستمر في الدفاع عنهم، حتى يوم اعتقاله في الثاني من تشرين الأول عام 2012، وهو في الطريق إلى مكتبه بدمشق، ومنذ ذاك التاريخ لا يزال محامي الحقوق المنتهكة مجهول المصير.

لم يُحل إلى أية جهة قضائية، ولم تصدر أية تهمة بحقه، ولم يُسمح لأي كان من عائلته وزملائه بزيارته، أو الحصول على أية معلومات بخصوص وضعه، ولا تزال السلطات السورية تنفي حادثة اعتقاله، وتستمر أجهزة النظام الأمنية في إنكار وجوده لديها، مع أن خليل معتوق مصاب بالتليّف المناعي في رئتيه بنسبة ستين بالمئة، ويحتاج إلى الإشراف الطبي الدائم، لمنع تدهور حالته الصحية.

وتقول تقارير المنظمات الحقوقية، إن بعض الذين أُفرج عنهم عام 2015، نقلوا إلى عائلة خليل معتوق، أنهم رأوه أثناء فترة اعتقالهم في مختلف أماكن الاحتجاز التي تديرها الحكومة السورية، بما فيها فرع أمن الدولة 285، وفرع المخابرات العسكرية 235 في دمشق، حيث يموت قرابة خمسة سجناء يوميًا إما تحت التعذيب، أو جراء الأمراض السارية بسبب انعدام الشروط الصحية، ونقص الغذاء والمياه.

قضية خليل معتوق العادلة، وحياته المهددة بالخطر، أطلقت الكثير من البيانات والحملات الدولية للإفراج الفوري عنه، وتكريمًا لجهده في الارتقاء بسيادة القانون وحقوق الإنسان، منحته منظمة “محامون من أجل المحامين” الهولندية جائزتها، وهو داخل سجنه، لكن النظام السوري، الذي لم يعترف يوما بحق الرأي والاختلاف، لم يمنحه الحرية.

تهامة الجندي

جيرون 15 كانون الأول 2016 على الرابط

Advertisements