قبل الثورة كان الحديث عن  المستشرق الإيطالي، باولو دالوليو يثير الفضول، فالكاهن اليسوعي زار سوريا عام 1982، وفتنه دير “مار موسى الحبشي”، وقرر الإقامة فيه، وجعلِه مركزًا لحوار الأديان، بعد أن أنهى ترميمه بمساعدة أهالي المنطقة. الدير السرياني القديم الذي يعود بنائه إلى عام 1058، ويبعد عن شمال دمشق مسافة ثمانين كيلومترًا، يتبوأ سلسلة جبال القلمون على ارتفاع 1320 مترًا عن سطح البحر، ويشرف على وادٍ سحيق تكثر فيه الكهوف والآثار.

وتقول معلومات الويكبيديا، إن الأب (Paolo dall’Oglio) وُلد في السابع عشر من تشرين الثاني عام 1954، انضم إلى المجمع اليسوعي عام 1975، ورُسّم كاهنًا في الكنيسة السريانية الكاثوليكية عام 1984. في “جامعة نابلس الشرقية”، حصل على دبلوم في اللغة العربية والدراسات الإسلامية، وفي “جامعة جريجوريان البابوية” حصل على دبلوم في اللاهوت الكاثوليكي، وعلى الماجستير في “علم التبشير” عام 1986، ودرجة الدكتوراه عن رسالته  “الأمل في الإسلام” عام 1989، كما منحته “جامعة دي لوفين الكاثوليكية” الدكتوراه الشرفية الثنائية عام 2009. أسس “مجتمع الخليل” للحوار الإسلامي-المسيحي في دير “مار موسى الحبشي” عام 1992، وكان له إسهامه الدوري في مجلة “بوبولي” الدولية لليسوعيين الإيطاليين.

منذ فجر الثورة السورية ضم الأب الجليل صوته إلى المتظاهرين ضد الدكتاتورية الحاكمة، باعتباره “سوري التأصُّل والتعصُّب منذ ثلاثين عامًا”. كما كتب يوم الخامس والعشرين من تموز 2011، في مقالته “الديمقراطية التوافقية في سبيل الوحدة الوطنية”، وفيها قدم مقترحاته لإنهاء العنف، مؤكدا على أنَّ: “الخطوة الأولى لإنقاذ الوطن، تكمن في توفير الأمن للمواطنين، دون منع المطالبة بالحريات وممارستها بطريقة سلمية”.

ورأى الأب باولو أن الإصلاح السياسي يتم عبر: الديمقراطية التوافقية، وصياغة دستور جديد يكفل التعددية، و”خلق الفرص للذين خدموا بحسب قناعاتهم إلى يوم الإصلاح، من التنازل بطريقة سلمية مشرفة عن مناصبهم، لتجنب إمكانية الانتقام منهم”. وفي الختام طلب من الله “أن يوفق سوريا، ويجعلها مثالًا يُحتذى به جيلاً بعد جيل”.

استمر الأب الشجاع بدعم الثورة بكل إمكاناته، وشارك في تشييع جثمان المخرج الشهيد باسل شحادة إلى مثواه الأخير في حمص، وحين اقتحمت مجموعة مسلحة وملثمة “دير مار موسى” متذرعة بالبحث عن السلاح، يوم الثاني عشر من شباط 2012، وهو غائب في دمشق، لم يكترث للخطر الذي بات يهدد حياته، بل إنه بعد حوالي ثلاثة شهور، كتب رسالة مفتوحة إلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة كوفي أنان.

وفي رسالته تنبأ الأب باولو بما سيحدث في سوريا، إذا تبنّى العالم ما وصفه بالاعتقاد القاتل للحرية، و”القائل إن الضرورة الوحيدة هي قمع الإرهاب، فلا يبقى سوى انسحاب مراقبي الأمم المتحدة غير المسلحين، مما يترك المجال مفتوحًا أمام القمع الذي يصبح حينئذ بعيون الرأي العالمي، بمثابة “الشر الأصغر” مقارنة بِشَرِّ التطرف”.

واقترح على المبعوث الأممي: “قدوم ثلاثين ألف مرافق لاعنفي من المجتمع المدني العالمي، لكي يساعدوا على الأرض في انطلاق الحياة الديمقراطية”، و”تأسيس لجان محلية تعمل من أجل المصالحة تحت حماية المراقبين الدوليين، ولجان أخرى “تختص في البحث عن المعتقلين والمخطوفين والمفقودين من جميع الأطراف المتصارعة”، كما طرح قضية إعادة تأهيل الشبيبة التي انجرفت إلى المنظمات الإرهابية.

ضاق صدر النظام الحاكم بالأب المشاكس، وأصدر أمرًا بإبعاده عن سوريا يوم الرابع عشر من حزيران 2012. ولم يمض شهر حتى غادر الأب باولو إلى السليمانية في كردستان العراق، تلبية لرجاء أسقفه، وأقام في دير “مريم العذراء”، وفي تشرين الأول من ذاك العام، منحته منطقة لومباردي الإيطالية جائزة السلام.

زار الأب باولو الأراضي السورية المحررة أكثر من مرة، وأواخر تموز 2013 وصل مدينة الرقة، وفي نيته التوسط لدى تنظيم “داعش” للإفراج عن الصحافيين الأجانب. شارك في مظاهرة مناهضة للنظام السوري، ودخل مقر المحافظة للقاء أمير التنظيم، ثم اختفى أثره، وقبل ذلك كان آخر ما كتب على صفحته في فيسبوك: “أصدقائي الأعزّاء، جئت اليوم إلى مدينة الرقة، وأنا أشعر بالسعادة لسببين: أولهما أنني على أرض سوريا الوطن، وفي مدينة محررة، والسبب الثاني الاستقبال الرائع من قبل هذه المدينة الجميلة. عشتُ أمسية رمضانية من أحلى ما يكون، والناس في الشوارع بحريّة ووئام، إنها صورة للوطن الذي نريده لكل السوريين. طبعًا لا يوجد شيء كامل، لكن الانطلاق جيد، أدعوا لي بالتوفيق من أجل المهمة التي جئت من أجلها. إن الثورة ليست توقّعات، بل إلتزام!. السلام عليكم، وشهر رمضان كريم علينا أجمعين”.

بعد أيام تناقلت وسائل الإعلام الخبر المفجع، عن إعدام أبي السلام من قبل “داعش، وإلقاء جثته في حفرة “الحوتة”، المخصصة لجثث الموالين للأسد في مدينة الرقة، وبعد حوالي العام أكد قيادي منشق عن التنظيم، أن الكاهن الإيطالي لا يزال على قيد الحياة، وأنه رآه محتجزا في سجن يقع غرب مدينة الطبقة، تشرف عليه “الكتيبة الأوزبكية”.

قبل أن يختفي، ويطبق الغموض على مصيره، كنت اتابع بعض جلسات الحوار المتلّفزة التي كان يعقدها الأب باولو بين السوريين. كان يتحدث بصدق وحماسة تأثر القلوب، وكانت تدهشني لهجته السورية، وتسحرني الطيبة التي تطل من عينيه، واليوم أمعن النظر في صوره، وأتمنى له الحياة والنجاة. لا أصدق كيف اختطف “داعش” الكاهن النبيل في الشهر الحرام، لكن التنظيم كان قد اتخذ قراره بتنفيذ ما عجز النظام السوري عن القيام به في المناطق المحررة، تصفية الثورة عبر اختطاف واغتيال رموزها والناشطين لأجلها.

تهامة الجندي

“جيرون” 8/12/2016 على الرابط

Advertisements