“عين الشرق” هي عيّن إبراهيم الجبين المسكونة بعشق دمشق، تتأمل ملامح العاصمة العريقة، تستنطق سحرها وأسرارها، تدخل أرشيفها، وتقرأ الصفحات الغائبة من تاريخ خطّه الطغاة. العاصمة الأسيرة التي امتثل مؤلف الرواية أمام قضائها العسكري لثلاث سنوات ونصف، بتهمة النيل من هيبة الدولة والنظام والرئيس، وإثارة النعرات الطائفية والتآمر مع العدو، بعد تقرير رفعه إلى أجهزة الأمن أحد المثقفين الوشاة.

يبدأ الجبين رحلة الهوى والكشف منذ عنوان روايته المكوّن من مقطعيّن: “عيّن الشرق” و”هايبرثيميسيا 21″، المقطع الأول هو اسم أطلقه على دمشق الإمبراطور الروماني يوليان، الذي عاش في القرن الرابع الميلادي، وكان ملحدًا، يُجل المعرفة ويستهويه السفر، دافع عن المدينة ببسالة ضد الفرس، واغتيل بسهم أحد المسيحيين. أما العنوان الفرعي فهو يعني أنّ المؤلف مُصاب بحالة مرضية نادرة، يشاركه بها عشرون شخصًا في العالم فقط، تجعل المريض يتذكر جميع تفاصيل حياته، مهما تراكمت فوقها الذكريات والسنوات. وحين يُضاف إلى العنوان المركّب اقتباس من التوراة في مقدمة الصفحات، تكتمل مفاتيح الفسيفساء السوريالية التي يصوغها الكاتب الرسام، والتي سوف تفيض بالمفارقات والأحجيات.

إبراهيم العاشق الذي يقترب من حبيبته بكل مداركه وحواسه، ليكتشف سر انخطافه إليها، هو بطل الرواية الوحيد الذي يتبع قلبه وحدسه، وهو السارد العليم بالخفايا، تقوده إليها المصادفات وعلاقاته الشخصية وقراءاته. تقابله على الضفة الموازية صورة الدكتاتور الكاره لدمشق، وهو يأبى أن يستسلم لموته، بعد أن ردم قسمًا من المدينة القديمة باعتماده على المهندس المعماري إيكوشار، وأنشأ الدولة الأمنية، واستعان بالضابط النازي برونر لإدخال الكرسي الألماني إلى السجون السورية، ثم نصب نفسه قائدا للأبد.

يبدأ الزمن الروائي وينتهي بعام 2011، عام الثورة السورية، وعام التصدّعات في أسوار السجن الكبير، وبين اللحظتين تنفتح ذاكرة العاشق في لقطات شعرية، تشير ولا تفصح، تنتقل بين شذرات من سير المكان والشخصيات والأسماء المستعارة، من دون أن تتصل بسياق منطقي، أو تلتزم بعصر من العصور، بل تدع القارئ يمضي معها في فضاء حلزوني متعدد الطبقات، أشبه ببرزخ العبور نحو الحرية، الذي نحاول اجتيازه نحن السوريين منذ ست سنين.

فضاء حكائي لا تنطبق عليه شروط السرد الروائي التقليدي أو الحديث، بقدر ما تمليه علاقة الكاتب بدفتر يومياته القديم: “لم يكن يريد وصف الأشياء كما هي، وهي تقع، ولكن أنا كنت ألح على هذا، فاختار كل منّا، طريقته في الكتابة، أنا أعيش الحدث، وهو يسرده ويراقبني، ويغيّر فيه قليلًا ليضمن حمايتي في بلد يموت فيه الإنسان لأيّ سبب، وعلى رأس تلك الأسباب، الاقتراب والتحرش بالوحشية التي حكمت سوريا، على مرّ العشرات من الأعوام”. “من سميته “أبو المحجن”، كان اسمه الحقيقي “أبو القعقاع- محمود قول أغاسي” الذي أسس تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” (ص15).

وتحليل بنية الرواية وعمارتها وشخصياتها وما شابه، هو أقرب إلى العبث منه إلى النقد، فهي رواية الروايات المجتزأة والمبعثرة، إما أن تقرأها، وتكتب نصك الموازي، أو تبعدها عنك. هي أشبه بمتوالية من العلاقات المعلنة والخفية، يتحرك الكاتب في مداها، تصوغ علامات اللحظة الراهنة، وتضرب جذورها في التاريخ، وتفتح المشهد على عدد كبير من شخصيات الماضي والحاضر، التي تنتمي إلى مختلف الأديان والطوائف والإثنيات والجنسيات، والتي عاشت، وتركت أثرها في فضاء المدينة المقيّد بأحكام الطوارئ منذ مطلع ستينات القرن العشرين.

تبدأ المتوالية من الخيط المؤدي إلى محل قريب الجبين، الرسام ناجي في التكية السليمانية، حيث “تسبح أرواح القرن السادس عشر، وتختبئ في الحجرات الصوفية، والدكاكين الصغيرة الضيقة” (ص12). والمفارقة الأولى أن الرسام العجوز الذي قدِم من دير الزور إلى دمشق عام 1947، والذي يطعم قطط التكية من رزقه كل يوم، يحمل مسدسا على خاصرته، وكان يعمل لدى المخابرات “الشعبة الثانية”، وكانت مهمته اغتيال المعارضين لسلطة “بعث الشباطيين”، ولا يزال يحتفظ بالكثير من القصاصات والوثائق عن تلك الفترة.

ومقتنيات الرسام سوف تأخذ القارئ إلى لوحة أصلية لأديب الشيشكلي بريشة فنان فرنسي، وإلى ناب فيل ملبّس بالفضة، اشترته سلمى الرفاعي، زوجة خالد العظم، التي كانت تلعب القمار في القصاع، وإلى علي أحمد سعيد، زميل ناجي في “الشعبة الثانية”، الذي لقّب نفسه بأدونيس، بعد أن غادر إلى بيروت، وأصبح واحدًا من الشعراء المشهورين.

تأخذنا المتوالية إلى مكتب المحامي هائل اليوسفي، معد البرنامج الإذاعي الشهير “حكم العدالة”، وسوف يقدم لصديقه إبراهيم ملف إلياهو كوهين، ويقترح عليه كتابة سيناريو فيلم سينمائي حول هذا اليهودي الشرقي، الذي قدِم إلى سوريا عام 1962 كمغترب سوري يحمل اسم “كامل أمين ثابت”. حينها كان البلد يعيش فراغًا سياسيًا بعد حل الأحزاب والانفصال عن مصر، وكانت مهمته تقوم على “مبدأ اصنع عدوك، بدل أن تتفاجأ به”، وتقتضي أن يعيد تشكيل “حزب البعث” بما ينسجم وسياسة إسرائيل في المنطقة العربية، وأن يمده بالمال، ويهيئه للانقلاب العسكري، الذي وقع في آذار 1963، وبعد أن أنهى كوهين مهمته بنجاح، أُعدم بتهمة التجسس لإسرائيل.

ولن يكون كوهين اليهودي الوحيد الذي يعبر صفحات الرواية، فعين الجبين تنظر بالعطف إلى اليهود الشرقيين الذين نبذتهم أوربا، وقاطعهم العرب بحجة انتمائهم للصهيونية، وهو يعتبر يهود دمشق وفلسطينييها جزء أساسي من مكوناتها، معًا يتقاسمون حلم العودة إلى القدس. ونجده منذ البداية يقيم في قبو مع صديقه إخاد الذي رجع إلى سوريا بعد قيام الثورة، يجادله، ويستأنس برأيه حول تاريخ العلاقة بين العرب واليهود، ومعه يتذكر اتفاق “فيصل وايزمان” للتعاون بين الحركة الصهيونية والحركة القومية العربية عام 1919، كما يتذكر في السياق ذاته إسهام اليهودي الدمشقي القومي الياهو ساسون، مؤسس جريدة “الحياة”، الذي هاجر إلى إسرائيل بعد دخول الفرنسيين، وطرد الملك فيصل. نصادف أيضا الكاتب العراقي شموئيل موريه، وراحيل ذات الأصول المصرية، التي تسأل أخاها: لماذا يتكرر الدم في الكتب المقدسة؟ ويجيبها: أنها كلمة كانت تعني الحق والمال والنفس.

أغلب نزلاء الرواية، هم من نزلاء السجن السياسي، أو ممن شردتهم المخابرات، وألقت بهم على ضفاف المنافي، فالسجن جزء من فضاء دمشق ومن حياة ساكينها، و”ليس من المألوف أن لا يكون لك صديق من المعتقلين السابقين، هذا إن لم تكن أنت معتقلا أصلا”. وتبدأ هذه المتوالية برمزية سجن القلعة الأثري، وبحوارات متخيلة يقيمها الجبين مع ابن تيمية المكبّل بالحديد، الشيخ الموسوم بأنه أبو السلفية والتعصب، بينما تكتب عنه الباحثة الألمانية انكه فون كولجلجن: أنه ناقد استثنائي، وباحث أخلاقي، وأن بذور التفكير المادي الغربي واضحة في فكره.

يطل وجه الفنان التشكيلي يوسف عبدلكي، ويرسم ثلاثية السجن والمنفى والعودة إلى تراب الحب والعذاب. نقرأ عن أبيه عبد الأحد الذي قضى في سجن القامشلي إثنا عشر عامًا، قبل أن يهجر المدينة إلى دمشق، وعن جده حنا يعقوب القادم من ماردين، الذي أسس أول مدرسة سريانية في عامودا، ودعا إلى إصلاح الكنسية في الثلث الأول من القرن العشرين.

على صفحات المنفى نلتقي خال الجبين، الكاتب المعارض صبحي حديدي، نطل على بيته الدافئ في دير الزور الذي هجره مرغمًا، وعاش متخفيًا في دمشق بين جرمانا وباب توما، ثم غادر الحدود بعربة الصحف إلى بيروت الثمانينات “ملعب حافظ الأسد الخلفي”، وأبحر إلى قبرص، حيث استقبله سليم بركات، صاحب الكتب الممنوعة في سوريا، وكان بانتظاره في باريس التشكيلي بشار عيسى. نلتقي عصام العطار بسنواته الست والثمانين في بيته بآخن غربي ألمانيا، بعد أن نفاه الأسد، ورفع من شأن شقيقته نجاح، كي يهين الدمشقيين.

ودمشق السجينة التي فقدت الكثير من الأصوات الحرة، لا تتأخر عن احتضان المعارضين الفارين من بطش أنظمتهم، ومنهم صديق الكاتب، المعارض البحريني محمد الرحمن النعميمي، صاحب دار “الكنوز الأدبية”، الذي سوف يهديه كتاب خاله صبحي حديدي “حرب العالمين الأولى”، ومظفر النواب الذي رفض الذهاب إلى كردستان العراق، لأن جميع زعمائها زاروا إسرائيل، وسوف يكون الجبين شاهد على إغماضة عين الشاعر الأخيرة في العاصمة الثكلى.

الفراغ الذي أحدثته ثنائية السجن والمنفى في الوسط الثقافي، سوف يحاول ملؤه أشباه المثقفين والمدعين والوشاة. شلل مصّطنعة ومتناحرة، متعالية على المجتمع، تستعرض حرية زائفة، وتتواطأ ضمنيًا مع الدكتاتورية الحاكمة. نقتفي أثرها مع “حراس الأرض” و”مسبح العراة” و”صالون علا”، وأولئك الوصوليين اللاهثين وراء مكاسب وجوائز وشهرة وهمية.

وكان الخوف واليأس والصمت والعجز، و”كانت لحظة غير عاديّة، عمرها بالفعل آلاف السنين، تلك التي سبقت صوت الطباشير والألوان البدائيّة، وهي تحفّ جدار مدرسة في درعا جنوب سورية، حين كتب عليها مجموعة من الأطفال ما شاهدوه على شاشات التلفزيون في مصر وتونس وليبيا واليمن: “الشعب يريد إسقاط النظام”، “إجاك الدور يا دكتور”، “ارحل”، دون أن ينسى كلّ منهم التوقيع باسمه الصريح تحت تلك الشعارات: مع تحيات بشير وعيسى ونايف أبا زيد” (360).

تهامة الجندي

16 كانون الثاني 2017

رواية “عين الشرق/هايبرثيميسيا 21″، المؤلف: إبراهيم الجبين، الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت 2016.

Advertisements