آخر معرض حضرته للفنان التشكيلي الراحل نذير اسماعيل (1948-2016) كان في صالة “Art on 56th” ببيروت عام 2013، وفي وداعه أعيد نشر مقالتي حول المعرض.

وجوه مسكونة بالحزن والصمت

ليس وحده الفنان نذير اسماعيل من بين التشكيلين السوريين من تمحّورت جلّ تجربته الفنية الطويلة حول الوجوه، وليس وحده من انشغل بالتعبيرية الذاتية فقد سبقه إلى ذلك وتبعه الكثيرون، لكن نذير نجح في أن يمسح لوحته بلمسة ابداعية خاصة، يمكن التعرف عليها بيسّر من خلال مناخاته الحزينة التي تفصح عن تلك الدمعة الحبيسة بين الضلوع، وموضوعه هذا لم يتغير في معرضه الحالي الذي تقيمه حاليا صالة “Art on 56th” في بيروت، وهي صالة حديثة فتحت أبوابها لفنانيّ العالم منذ ستة أشهر فقط، واستقبلت حتى اليوم ثلاثة سوريين منهم الفنان الحمصي إدوارد شهدا.

وحسب نشرة المعرض وُلد نذير اسماعيل في دمشق عام 1948 وبدأت تظهر أعماله في المعارض العربية والغربية منذ عام 1966، ومن خلال معارضه الفردية والمشتركة قدّم لوحاته بالألوان الزيتية والمائية، وانشغل بالوجوه وبالرموز التقليدية العربية، وحصل على ثلاث جوائز، هي: الثالثة للفنانين الشباب في سوريا 1971، جائزة الغرافيك في برلين 1990، والجائزة الثالثة لبينالي الشارقة 1996.

لم يحضر نذير حفل افتتاح معرضه في بيروت، لكن مجموعة كبيرة من أعماله الجديدة زيّنت جدران الصالة، لوحات نُفّذت بتقنيات عدة على حوامل من الكرتون أو القماش بمقاسات مختلفة تراوحت بين الصغيرة والمتوسطة، لوحات صعبة المزاج والمراس، لا تسلم أسرارها للمتلقي بيسّر، مثل صندوق خشبي قديم عليك أن تبحث عن مفتاحه حتى تعاين ما بداخله، وقد تخفق في التعرّف على ما تراه.

غالبا ما يكون الوجه هو المفردة التشكيلية الوحيدة في اللوحة، وهو مسطّح ومؤطّر بخطوط سوداء عميقة، ترسم أبعاده الخارجية بوضوح، لكن الملامح ضبابية، الأنف خط  شاقولي في الوسط، العيون واسعة، يعلو أجفانها التعب والشحوب، تنعكس في أحداقها واستدارات شرودها تعبيرات مختلفة حسب ما تراه أو تفكر به، وتعبير العين هو المتغير الأساس في اللوحة الذي يفرض مناخه عليها من حيث البناء والتشكيل اللوني، أما الشفاه فهي غائبة تماما، كأنها وجوه ترى أسباب بؤسها ومنابع قلقها، ولا تجرؤ على الكلام، فتبلع غصّتها إلى الداخل بصمت، وتدخل سكينة من وهم، بينما تشتعل في أعماقها حرائق الرفض…

 في بعض الأحيان تضم اللوحة الواحدة عدة وجوه، قد تتموضع بشكل متتابع أو متصالب، وثمة وجوه متصلة بالعنق وأعلى الكتفين ممددة بشكل طولي وعرضي، مستسلمة لقدرها حتى لكأنها في سجن الأبد أو تابوت العدم، وأحيانا تظهر الدّيكة فوق بعض الرؤوس، وهي رموز طالما انشغلت بها لوحة نذير، وعلى الأرجح أنها تدل على فكرة التنافس والصراع التناحري، لكن ثمة طيور أقرب إلى الحمائم بدأت تظهر في أعماله الجديدة، فهل هي واحدة من صرخات الحرية التي تجتاح الشارع السوري منذ عامين ….؟

يستخدم الفنان تقنية الكولاج في الرسوم المصنوعة على مساحة كرتونية، يلصق خامات مختلفة على سطح اللوحة بلا توزيع متوازن، بحيث تظهر داخلها التضاريس، بؤر وبروزات، واللافت هنا أنه يدخل علب الأدوية الفارغة على بعض أعماله، فهل هي إشارة من لوحته إلى حاجة الجرحى والمصابين السوريين إلى وسائل العلاج والشفاء….؟

أيضا يستخدم الفنان في بعض لوحاته تقنية الطبقات اللونية المتعددة، فتبدو المساحة المسطّحة ذات أبعاد، ثم يكرر موتيفات الطبقة الأمامية على بقية الطبقات بشكل ضبابي، فتغدو الأشكال الخلفية وكأنها مرايا أو رؤى قادمة من بوابات الحلم…

وكما هي مفردات اللوحة مختزلة في خطوطها وتكوينها، كذلك التشكيل اللوني مقتصد وخال من الصخب والبهرجة، يشيع حالة عامة من التأمل والوقار، الخلفيات حمراء أو زرقاء وقد تكون سوداء، أما الوجوه الأمامية، فهي في أغلب الأحيان ترابية الألوان، وأنىّ تجول العين تلتقي بجماليات مسكونة بالحزن والصمت، تدفع الناظر إلى التساؤل عما تخفيه من سير وحكايا، وتعيد إلى الذاكرة قول المعرّي: “خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد”.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 7 نيسان 2013 على الرابط

Advertisements