لم تكن تغريني مشاهدة التلفزيون العربي السوري، في أي يوم من الأيام، هو الناطق الرسمي باسم نظام، كرهتُ العيش في ظله منذ طفولتي، وكنت بجوار البحر، وكان بإمكاننا أن نلتقط قناة لبنان، ونتمتع بمتابعة برامج ومسلسلات محلية وأجنبية، كانت تشكّل حالة فنية وفكرية متقدمة، عما تعرضه قناتنا المحنّطة، ولا تزال ذاكرتي، تحتفظ بصورة شوشو، وصوت عبد المجيد مجذوب، يهتف لحبيبته المقّعدة “آلو.. حياتي”.

مع سفري للدراسة في بلغاريا انقطعتْ كل صلة لي بالتلفزيون السوري العظيم، وحين عدّتُ إليه بعد أكثر من عشر سنوات، وجدته أكثر سقّما مما كان عليه، بل إن نشرات أخباره، بدتْ لي أشبه بحفلات التعذيب. استعنتُ عليه بالكتب والفضائيات، ولم أعر انتباها إلى كل الإطناب، الذي كان يُقال عن النجاحات الكبرى، التي حققتها الدراما السورية، بعد دخول الشركات الخاصة إلى ساحة الإنتاج، حتى شاهدتُ مسلسل “الثريا” لهيثم حقي أواخر التسعينات، تابعته بشغف حتى حلقته الأخيرة، وشعرت أني دخلت منطقة جديدة، بدأت استكشف أعلامها وتجاربها، ولم تكن الأعمال الجيدة كثيرة، لكن كان لها شخصيتها، وحضورها المميز على المستوى العربي.

كيف حدث وأصبح الشهر الفضيل، مناسبة لتباري البلدان العربية على الإنتاج الدرامي؟ وكيف أصبحتْ المسلسلات جزئا من المائدة الرمضانية الشهية؟ لست أدري، ما أعرفه أن رمضان اكتسى طقسّا جديدا، لم يعرفه منذ ظهور الرسالة المحمدية، وأن الدراما السورية، بلغت ذروتها في العقد الأول من الألفية الثالثة، وصارت تزاحم المسلسلات المصرية على الفضائيات، بعد أن ارتفعت معدلات الإنتاج إلى ما يقارب الأربعين مسلسلا في العام.

دخلّتُ الطقّس الجديد، هربا من الشلل الجزئي الذي يصيب الحياة العامة، وهربا من المقاهي ومطاعم الوجبات السريعة التي تغلق أبوابها في مواقيت الصيام، وتعلمتُ أن ألوذ ببيتي في رمضان، بعد أن اتقصّى أخبار الدرامات الجديدة، ومواعيد عرضها، وأضع برنامجا للمشاهدة، لا يقل عن ثماني ساعات، وكانت مناسبة طيبة للعمل، فكل ما يُكتب عن المسلسلات الرمضانية، يُنشر بسرعة البرق، وتتناقله مواقع النت مثل وصفة جيدة لطبق لذيذ.

قدوم الثورة السورية انهى طقس المسلسلات الرمضانية، وشغل الناس بـ”دراما الشارع”، التي سرعان ما انقلبت إلى تراجيديا “القمع الرهيب”، وألئك الفنانين الذين وقفوا ضد جرائم النظام، حُرموا من فرصة الظهور على الشاشة الصغيرة، بينما تصدّر الأعمال الدرامية السورية، أولئك الذين وقفوا إلى جانب الجلاد، لكنهم فقدوا جمهورهم العريض.

بعد ذلك الفرز الواضح ما بين النجوم، لم أستطع أن أُجبر نفسي على متابعة أي من المسلسلات السورية، أثناء رمضان أو في أي شهر آخر، بقصد الكتابة أو من أجل التسلية، كنت أشعر بنفور شديد من مجرد الحديث عن الدراما، حتى صادف وقرأت قبل شهر، أن هيثم حقي يصوّر مسلسل “وجوه وأماكن” ما بين مرسين وغازي عنتاب، وأن المسلسل الرمضاني الجديد، يتكون من ثلاث عشّريات، كتبها هو وغسان زكريا وخالد خليفة، وسوف تكون باكورة إنتاج شركة “ميتافورا” التي ستولي اهتمامها بمجريات “الربيع العربي”، فيما كان فريق التمثيل مكونا من الفنانين، الذين أُقصوا عن الشاشة.

للمرة الأولى منذ خمسة أعوام، أحسستُ أن أمر الدراما السورية يعنيني، وأشعرتني المعلومات الأولية التي جمعتها بشيء من التفاؤل والسعادة على الرغم من وحشتي في بلد اللجوء، سيما بعد أن قرأت تصريح حقي عن العشرية الأولى، التي كتبها بنفسه، وتحمل عنوان “وقت مستقطع”، حيث ذكر أن: الأحداث تجري في دمشق، بالتزامن مع بدايات “الربيع العربي”، وانطلاق الثورة السورية، وأنها تحكي عن مهندس إلكتروني، وزوجته الحقوقية، التي أحبّها، وتزوجها أثناء دراستهما في باريس، وعاش معها في انسجام تام، إلى أن دخلت حياته، وهو في عقده الخامس، امرأة ثلاثينية، مطلّقة وجميلة، هي ابنة لواء متقاعد، جمع ثروة هائلة من الفساد.

كانت خيوط الصراع كامنة في بنية الشخصيات، وطبيعة الحدث العام، وانفتحت عدسة المخرج في أولى لقطات المسلسل على مشهد داخلي نهاري، يحتفي بالقهوة وصوت فيروز، حمل إلينا نكهة الصباح السوري، في منطقته الأكثر تعبيرا عن الخصوصية والدفء، هكذا كان معظم السوريون يستقبلون يومهم، وشعرت أني أدخل بيتي، وأعود إلى هدأة صباحي، التي هجرتها منذ سنين بحثا عن الأمان.

حتى الحلقة الرابعة كانت العدسة تنتقل في أرجاء المنزل، والمنتزهات ومواقع العمل، ممهّدة الطريق للتعريف بشخصيات العمل، من حيث الطباع والموقع الاجتماعي والمهني، وبدأت من الأسرة السعيدة: الزوج مازن (جمال سليمان) خبير في المعلوماتية ويدير مكتبه الخاص، وزوجته سمر (يارا صبري) تعمل مستشارة قانونية في مكتب وزير نزيه (عبد القادر المنلا)، وبقية أفراد الأسرة، الابن الأكبر الذي يدرس الطب، والبنت الصغرى التي تستعد لدخول الجامعة، والأخت المهندسة (رغد المخلوف) التي تزوجت من زميلها في الدراسة (مجد فضة)، والعمة الحنون (عزة البحرة).

ترصد العدسة يوميات أسرة سورية نموذجية، تنتمي إلى الشريحة المتعلّمة، المتوسطة الحال، وتتحرك في إطار شبكة من العلاقات، تبدو أنها أقرب إلى المعارضة منها إلى النظام، بينما تنقل نشرات الأخبار من حين لآخر وقائع ثورة الياسمين وميدان التحرير، وتعكس تعاطف الجميع معها، باستثناء صهر العائلة الجبان، الذي سوف يتضح فيما بعد، انه يتعامل مع الأمن لاختراق اجهزة النشطاء، واسترداد المعلومات التي يحذفونها.

هذه الأسرة المتنوّرة، التي تتمتع بسمعة طيبة بين الناس، يصبح أمر تقويضها هاجس صاحبة الشركة العملاقة سلافة (سوسن أرشيد) ابنة اللواء المتقاعد (عبد الحكيم قطيفان)، وسوف تتمكن من إيقاع مازن في شباكها، وإبعاده عن زوجته، وسيستمر مسار الحبكة بالنمو بطيئا، إلى أن تحدث الانعطافة الكبرى في حياة الجميع، حين يخرج السوريون لطلب الحرية، وتكشّر السلطة الحاكمة عن أنيابها القبيحة، جازمة “إما الأسد، أو نحرق البلد”.

وسوف تتجذّر مواقف البشر إزاء دم الأبرياء، يشارك الابن في المظاهرات، ويتعرض للسجن والتعذيب الشديد. يطالب الوزير النزيه الحكومة بالإصغاء لصوت الجماهير، وتجري تنحيته. تشارك سمر في مؤتمر المعارضة الأول، وتصبح من الملاحقين. يغدو صديق العائلة نضال من المطلوبين، لأنه ناشط حقوقي، يدافع عن معتقلي الرأي. فيما تنتشر فرق “الشبيحة” في كل مكان لإرهاب المدنيين العزّل، وتبدأ التغريبة السورية هربا من البطش.

بالتوازي مع مشاهد التنكيل والقتل، يجلس اللواء مرتاحا في بيته الفخم، يتحدث عن بلد الممناعة والمؤامرة الكونية، ويعمل بهدوء على تهريب أمواله إلى الخارج، تحسبا لأي طارئ قد يهز عرش السيد الرئيس. ومن دون كلام، تجيب اللوحة الصادقة عن السؤال، الذي يشغل بال الكثيرين: لماذا انقلب الربيع الواعد إلى شتاء بغيض؟

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 5 تموز 2015 على الرابط

Advertisements