انتهى عصر النخب التنويرية التي تريد تغيير المجتمعات، أو هندستها وفقا لنموذج نظري جاهز ومكتمل في ذهنها، كما حدث في التجارب النازية والشيوعية.. اليوم المجتمع يثور ضد هذا الموقف التسلطي، يغيّر نفسه بنفسه، ينتقل من العبودية إلى الحرية، وأهم ما أنتجته الثورة السورية هو إسقاط مفهوم الأبد… هكذا تغلق الروائية الكردية السورية مها حسن جملة السجالات الحامية، التي فتحتها حول ثورات الربيع العربي عموما، والثورة السورية بوجه خاص، من خلال شخوص روايتها الأخيرة “طبول الحرب”.

سجالات تبدأ على صفحات الفيسبوك بين عاشقين سوريين لم يلتقيا يوما، وتنتهي على الأرض السورية بعدد كبير من الشخصيات المؤيدة والمعارضة والمحايدة، المتشائمة والمتفائلة، تنعكس في مرآتها كافة وجهات النظر المتباينة من الثورة، في عامها الأول، وفي انعطافتها التاريخية بانتقالها من المرحلة السلمية إلى العسّكرة، فيما يشبه وثيقة أدبية، تتقاطع في صفحاتها الحقائق الموضوعية والمخيّلة الروائية، دونما خيانة لأي من الطرفين: معطيات الواقع أو فن التخييل.

تستخدم مها تقنية الرواية داخل الرواية، حيث تبدأ الصفحات بمقدمة تكتبها ريما خوري، المترجمة السورية، وأستاذة الأدب الحديث في جامعة السوربون الجديدة، كما تعرّف عن نفسها، وفي المقدمة تشرح رغبتها في تأليف كتاب عن الثورة السورية، يعتمد الشهادات والخبرات التي حصلت عليها أثناء رحلتها إلى سوريا، وتؤكد أن نصها سيكون مختلفا عن ترجماتها ومؤلفاتها السابقة، لأنه أقرب إلى المحاولة الأدبية منه إلى البحث الأكاديمي، وبذلك تكون المؤلفة قد برّرت وهيأت القارئ لقبول اقتراح الكتابة الأدبية التسجيلية، الذي ينسجم إلى حد بعيد مع خصوصية الموضوع الساخن الذي ستتناوله، وتكون الراوية قد سجّلت أولى علامات التحوّل التي أحدثتها الثورة في ذاتها.

بالتوافق مع تلك المقدمة الأولية، تبدأ ريما بسرد قصتها في أربعة فصول متباينة من حيث بنيتها السردية واللغوية، هي: “حب قبل الثورة”، “الكابوس السوري”، “المثقفون المخمليون” و”سقوط الأبد”، ولكل فصل عناوينه الفرعية، مثل: “كفرنبل في دمشق”، “الهوية الضائعة” و”بابا يشبه أدونيس”، غايتها تقطيع الفصول إلى مشاهد منفصلة ومتصلة في ذات الآن، تتيح للمؤلفة حرية الدمج السلس ما بين الوثيقة الحية والمتخيّل السردي، كما تتيح لبطلتها الراوية حرية الحركة بين أزمنة وأمكنة وشخصيات مختلفة، بحيث يختلط الماضي بالحاضر، الوقائع بالأساطير والكوابيس، مع أن السياق العام للقصّ، يسير وفق التسلسل الزمني المنطقي، والتطور الخطي للحبكة.

في سياق السرد تطلّ باقي الشخصيات، الرئيسية والثانوية، الإناث والذكور، مفّصحين عن ذواتهم بصوتهم الخاص، لا بصوت الراوية التي لا يتعدى دورها حدود الذاكرة التي تجمعها بهؤلاء الأشخاص، الذين ينحدرون من مناطق سورية عدة، وينتمون إلى أجيال عمرية مختلفة، وشرائح اجتماعية ومذهبية وإثنية متباينة، هم بالأساس أهل وأقارب وأصدقاء وعشاق ومعارف ريما، وهي حين تتحدث عنهم، أو عن نفسها، لا تلقي بذاكرتها ومعلوماتها دفعة واحدة، بل على مراحل تفترضها فنية بناء الشخصيات.

(ريما بكداش خوري) اسم مركّب، ناتج عن زيجات مختلطة، أب مسلم سني كردي، أخصائي بعلم النفس، وأم مسيحية، صانعة أفلام وثائقية، ثم زواج ريما من حبيبها المسيحي انطوان خوري، وكلتا الزيجتين أدتا إلى قطيعة طويلة مع الأهل، فقد عاشت ريما حتى سنوات مراهقتها في دمشق، لا تعرف أقاربها في حلب، ثم انقطعت صلاتها بأهلها طوال عشرين عاما، بعد أن غادرت حي الميدان الدمشقي متحدية أبيها إلى باريس، حيث تزوجت حبيبها، ثم انفصلت عنه، لكنها احتفظت باسم عائلته، وبقيت في مغتربها الفرنسي.

وباختيار هذا الاسم المركب الدلالات للراوية، بما يمليه من تبعات نفسية واجتماعية، تكون المؤلّفة قد رسمت بعضا من جوانب الفسيفساء السورية الاجتماعية المتعددة المشارب دون عناء، وأطلعت القارئ دون قسّر على حال شريحة لا بأس بها من مثقفي سوريا، الذين تحدوا السلطة الدينية، وعانوا من القهر والنبذ الاجتماعي، وتكون أيضا قد فتحت ملفا إشكاليا ساخنا، لم تستطع دولة البعث العلمانية أن تحلّه خلال أربعين عاما من الانفراد بالسلطة، والادعاء بالتعايش السلّمي بين الطوائف والأديان…؟! ليس هذا وحسب، بل إن سياق الرواية، يؤكد حقيقة شهدها العالم بأسره على شاشات التلفزة، التظاهرات السلمية ألغت العصبيات والعداوات السابقة للثورة، وأنتجت فرزا جديدا للبشر، يقوم على أساس الموقف الأخلاقي من قضايا القتل اليومي، التي تنتهك حرمة الحق المدني في حرية الاعتقاد والرأي والتعبير.

الثورة السورية في الرواية، كما في الواقع، هي الحدث الانقلابي الذي يلقي بأثره على جميع الشخصيات، وهي التاريخ المفصلي الذي يقسم الزمن الروائي إلى عامين بمناخين مختلفين، ما قبل انطلاق الثورة وما بعدها، وهي المحرّك الأساس الذي ينقل ريما من مقر إقامتها الدائم في باريس إلى دمشق فحلب، حيث تُصاب بطلقة في رأسها، وهي تشارك طلبة الجامعة في تظاهرتهم للتضامن مع بابا عمرو، وهنا تنتهي الحكاية، ويتبع مسلسل الدم.

الحكاية التي تنتهي بالدم، تبدأ من عزلة امرأة مطلّقة في الثانية والأربعين من عمرها، تعاني مرحلة ما قبل سن اليأس، حذرة جدا ومنغلقة في علاقتها مع الآخر، توزع وقتها بين عملها مع طلابها في الجامعة، وبين منزلها وكلبتها كوارتز، تفتح صفحة على الفيسبوك باسم ايزابيل صباغ من باب الفضول في بداية عام 2010، وتضع على الصفحة صورة سيمون دو بوفوار بدل صورتها، وعلى صفحتها سوف تصادق يوسف، وتحادثه على الماسينجر، تُغرم به بعد سنوات طويلة جدباء، لم تعرف خلالها الحب، وإن كانت تعثّرت ببعض العلاقات الجنسية العابرة أثناء عطلها الصيفية، “ما عشته مع يوسف، ليس مجرد عاطفة قوية وإدمان يومي، بل كان بمثابة استعادة مفهوم الوطن… كأنني في دورة تدريبية للتعرف الى سورية بعد عشرين عاما من رحيلي.. أحسست وكأنني احتضن كل سورية بين ذراعي”.

ويوسف سليمان، محام سوري، أعزب، معارض، من بلدة كفرنبّل التي اشتهرت بشعاراتها الذكية أثناء الثورة، يعيش في دمشق، وينشط في مجال المنظمات الحقوقية للدفاع عن معتقلي الرأي. الثورة قرّبت العاشقين اللذين التقيا على تأييدها: “كان يقول لي بأنه يشعر بالقوة كلما تظاهر، وبأنه مستعد للموت في كل تظاهرة يذهب إليها”، والثورة جعلت ريما تتجرأ، وتفتح حسابها على النت باسمها الحقيقي، تجلس الساعات بحثا عن مستجدات الحدث، وأسماء الضحايا الذين يثقلون نومها بالكوابيس…

هنا تتغير بنية السرد ومفرداته بشكل جذري، تختفي اللغة الذاتية النابعة من الكينونة الانثوية، حين تدرك شغفها بالجنس الآخر، وماهية حضورها لديه، تتراجع تداعيات الحب، ذاكرة الجسد التي تفيض بالبوح الجريء والأحاسيس العذبة، وتكتسي المشاهد في الفصل الثاني (الكابوس السوري) بلغة تقريرية، تعتمد الأخبار والشرائط المصوّرة وشهادات الصحفيين الغربيين، المنشورة على وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، لتوثيق يوميات الثورة السورية، والشعارات التي رفعها المتظاهرون، ما بين القتل والاعتقالات التعسفية والمجازر الجماعية من جهة، وتخاذل المجتمع الدولي من الجهة الأخرى، كأنها أسطورة الموت، النظام يقتل حفاظا على السلطة، والشعب يموت من أجل الحرية. “السوريون يرقصون رقصة الموت الزورباوية.. يدفنون الموتى …ويرقصون ثم يسقطون جثثا هامدة”،

مع اشتداد قمع المظاهرات، وارتفاع أعداد القتلى، يغادر يوسف ساحة التظاهر، ويلتحق بالجيش الحر في حلب، ومع هذا التحوّل الجديد في مسار الحب والثورة، ينشب الخلاف بين العاشقين، تقول ريما: “أنا ضد كل ما هو تسليح وعسكرة وعنف، العنف يجلب العنف، وتسليح الثورة يعني ان يقتل السوري اخاه السوري”، ويقول يوسف: “ابحثي في تاريخ فرنسا المعاصر، ألم يتسلّح المثقفون والكتاب للدفاع عن بلدهم؟”، حينها تقرر السفر إلى سوريا لأسبوع، حتى تستطلع حقيقة الأمور بنفسها، وتلتقي بالرجل الذي تحب.

تبدأ رحلة ريما في سوريا بانقطاع التيار الكهربائي، وبالصدام مع أبيها الذي يرى في الثورة “فوضى، جنون، احتجاجات غير واضحة الاهداف”، ويفضل الدكتاتور الحالي على المتشدّدين الإسلاميين، الذين سيستلمون السلطة من بعده، وسوف تتعدد المواقف والآراء وتتباين من قضايا الثورة وتسليح المعارضة وقمع النظام، بتعدد وتباين الشخصيات التي تلتقيها الراوية في دمشق وحلب، كأنها بانوراما حية، تلتقط نقاشات السوريين، وانفتاحهم على بعضهم البعض، بمختلف اتجاهاتهم وانتماءاتهم وولاءاتهم في تلك الفترة.

أثناء تنقلاتها من مكان لآخر، وأحاديثها مع من التقتهم، سوف ترسم ريما لوحة موازية للحياة السورية، تستعرض فيها أصول الضيافة وأطباق الطعام في البيوت، التواجد الكثيف لحواجز الأمن والشبيحة في الشوارع، انهيار جدار الخوف الذي خيم طويلا في نفوس السوريين، ساحات التظاهر والمشافي الميدانية، سوف تتصالح مع أهلها وناسها، وتشعر بينهم بالدفء والألفة من جديد، سوف تستعيد وطنا غيبه بطش النظام طويلا، وأعادته ثورة الحرية إلى دائرة الفعل والأمل.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 1 أيلول 2013 على الرابط

الكتاب: “طبول الحب”، رواية في 187 صفحة قطع متوسط، المؤلفة: مها حسن، الناشر: دار الريس/ الكوكب/ بيروت 2012.

Advertisements