لن أكتب عن عذابات النساء السوريات في السجون وفي مخيمات اللجوء، أو تحت سماء تمطر أسلحة كيماوية ومتفجرات منذ سبع سنوات. ملف الجريمة دامغ ومتاح للجميع، لا ينقصه غير استدعاء الجناة إلى أروقة القضاء. في يوم المرأة العالمي أريد فقط أن أطبع قبلة على جبين كل أم ثكلى وكل أرملة، وأن أغرس وردة حمراء عند قدميّ كل معتقلة. أريد أن أطوي صفحات القهر، وأفتح نافذتي على الأمل الذي تدفق فينا مع أولى نسائم الربيع.

الثورة أنثى تصوغ مستقبلًا عادلًا للجميع، هكذا هي ثورتنا السورية منذ ندائها الأول بذاك الحضور الأنثوي الأنيق والكثيف في مختلف مسارات الحراك السلمي، ليس على مستوى المشاركة فقط، بل على مستويات التأسيس والقيادة والتنظيم. حضور واثق وقوي ينم عن ثقافة وعزيمة صقلتها التجارب، ملأ فضاء شبكات التواصل الاجتماعي وشاشات التلفزة، ولفت أنظار العالم إلى تاء التأنيث، علامة الربيع السوري الفارقة.

أفتح ذاكرتي على أولى المحطات، أول أشرطة اليوتيوب، وثاني التظاهرات أمام وزارة الخارجية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين في السادس عشر من آذار 2011، أرى سهير الأتاسي، ناهد بدوية، ربا وليلى اللبواني، دانة إبراهيم الجوابر، فهيمة صالح أوسي، نسرين خالد حسن، وفاء محمد اللحام، صبا حسن، وسيرين خوري، أراهنّ يتصدرّن المشهد، ويسقّن إلى سجن دوما للنساء في أول دفعة من معتقلي الثورة، وبعد خروجهّن بشهر، أقرأ كلمات سيرين: “سنقلع أشواكنا بأيدينا، وستكون لدينا سلطة قضائية عادلة، ولن نتوانى عن متابعة كل المسؤولين عن قضايا القتل والنهب والفساد، وسنحاول أن نبني سورية جديدة، حديثة لكل السوريين”.

أرى السيدة منتهى الأطرش في درعا، تعزي أهالي الأطفال الذين اقتُلعت أظافرهم، أو قُتلوا تحت التعذيب، أقرأ تصريحها للإعلام: “قلتُ له من قبل في حديث أم أو أخت كبرى لابنها، إن الشباب لهم مطالب، أعطِ لهم أذنك واستمع لهم، تَحاور معهم. ولكنني الآن ومع كل ذلك الدم المراق، لا يسعني إلا أن أقول له تنحّ يا دكتور بشار أفضل لك ولسوريا، احقن دماء شعبك الذي لوّث ثوبك”.

أتخيّل الناشطة الحقوقية المتخفّية رزان زيتونة، وهي ترفع بالسر تقاريرها عن انتهاكات النظام لوسائل الإعلام، وتؤسس “لجان التنسيق المحلية”، ولا أزال أسمع صوتها على قناة الجزيرة يقول: “لا حوار مع القتلة”. أوقعُ بيان الحليب الذي أطلقته ريما فليحان على صفحات الفيسبوك، ويذهلني عنفوان مي سكاف، وهي تتحدى جبروت السلطة، وتعلن امتعاضها من صور الرئيس. أذكر مبادرة خولة دنيا في تأسيس “نجدة ناو” لإغاثة المنكوبين، وإسهام بسمة قضماني في تأسيس “المجلس الوطني السوري” آب 2011.

أقرأ تصريحات فدوى سليمان، تسجل يوم الواحد والعشرين من آذار 2011 كأول مشاركة لها في مسيرة نسائية صامتة تطالب بسحب الدبابات من درعا، وأول فنانة سورية تشارك في التظاهرات، ثم تنخرط في تنسيقية نساء الثورة، وتبدأ التظاهرات في القابون والقدم بدمشق، قبل أن تنتقل إلى حمص “عاصمة الثورة” في تشرين الثاني من نفس العام، وتطل علينا من إلى جانب الساروت، وهي تقود ساحة التظاهر في الخالدية وبابا عمرو، حتى رحيلها عن المدينة أوائل 2012.

أقرأ دعوة سمر يزبك لطائفتها العلوية، أن تنجو بنفسها من العبودية، وتلتحق بالثورة. وأقرأ عن التحاق سميرة الخليل بالغوطة المحررة. ألمح على قائمة الشرف اسم هالا محمد، يارا صبري، لويز عبد الكريم وسلافة علوش. أطل على مدوّنة رزان غزاوي. وأسمع الشابة الجامعية المسيحية هديل الكوكي، وهي تدلي بشهادتها أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف عن فترة اعتقالها في سجن حلب، وتؤكد أن كل المعتقلات في سجون النظام يتعرضّن للاغتصاب.

على صفحات الفيسبوك أتابع اعتقال: مروة الغميان، ريما دالي، يم مشهدي، ضحى حسن، ماري عيسى، مي الجندي، سمر كوكش […] ومن قنوات الفضاء تطل عليّ أصالة نصري والعشرات من المراسلات الصحفيات والمسعفات والحقوقيات والكاتبات والفنانات، وهن ينددّن بالجريمة المستمرة، أو يحصلّن على جوائز عالمية لنشاطهنّ وجرأتهنّ في نقل الحقيقة، ولا يسعني أن أذكر كل اللاتي انخرطّن في الثورة من مختلف الاختصاصات والمشارب، أحتاج إلى مجلدات، كي أجمع أسمائهنّ وبعض التفاصيل عن إسهامهنّ، فهنّ لسّن مجموعة أيقونات للعرض، إنهنّ عصب الحراك السلمي، وضمير سوريا الحر.

ولم تسجل ساحات التظاهر حوادث تعرض النساء للأذى أو التحرش الجنسي والاغتصاب، كنّ موضع ترحيب وحماية، وكان المجتمع السوري الثائر يشعر بالفخار إزاء ذلك الحضور الأنثوي الباهر، فثورتنا وُلدتْ من رحم الألم الطويل الذي تقاسمناه نساء ورجالًا، ونحن نعاني وطأة أحكام الطوارئ والفساد، وُلدتْ الثورة وهي ترتدي كامل ألوان الطيف السوري الجميل، وتنادي: نريد الحرية، ودولة مدنية تساوي بين مواطنيها.

وإذا كان صوت الرصاص والقنابل طغى على صوت السلمية، والمقاتلون الأغراب، المهجوسون بعورة المرأة، قد حاولوا تذكير الثورة، فهذه مرحلة طارئة أنتجتها دموية السلطة الحاكمة، وستغرب عن الوجود عاجلًا أم آجلًا، يوم يستعيد الربيع السوري وجهه الأصيل، وملامحه الأنثوية الآسرة.

تهامة الجندي

جيرون 8 آذار 2017 على الرابط

 

Advertisements