“من هو المثقف؟ وما هي الثقافة؟ ومن هي السلطة؟ وما هو دور الحرية بينهما وفيهما؟ وإذا كانت السلطة –الدولة- أداة قمع وضرورة لا بد منها، لتنظيم الحقوق وتطبيق القانون والعدل، وبناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، فهل يكون الاستبداد كذلك؟ هل السلطة والاستبداد شيء واحد؟ وهل يستطيع الاستبداد بناء دولة؟ وما هو دور في كلتي الحالتين، خاصة في ظل أنظمة القمع الشمولية؟”.

أسئلة ملحّة، تفرضها ثورات “الربيع العربي” بكل احتمالاتها وارتكاساتها، يطرحها علينا غسان جباعي في كتابه “الثقافة والاستبداد” ويحاول أن يجيب عنها من موقعه كمثقف معارض، خبر المعتقل السياسي، وعانى من مختلف أشكال التهميش والحصار، من دون أن يستسلم لآلة القمع، فهو محصّن بقوة داخلية، تجعله ينجح دوما بفتح ثغرة في جدار العزّل، يطل منها على الجمهور، أحيانا بوصفه شاعر وقاص، وأخرى بوصفه مسرحي وروائي وكاتب سيناريو.

لا يتخذ كتاب الجباعي هيئة البحث الأكاديمي، ولا صيغة البحث الميداني، بل هو أقرب إلى سجال فكري حول طبيعة الثقافة والمثقفين في ظل المنظومة الشمولية عموما، وسلطة البعث في سوريا بشكل خاص، وهو يحفل بتعريف المصطلحات وتوصيفات الحالة والتوضيحات والتعقيبات، ويعتمد أساسا على تقاطع الخزين المعرفي والتجربة الحية، وعلى إثارة الأسئلة حول دور المثقف في عملية التغيير الديمقراطي.

يبني المؤلف فرضيته حول دور المثقف انطلاقا من ثلاثة مرتكزات: الأول يخص الثقافة كظاهرة اجتماعية، لا تكتمل إلا بالتفاعل الشامل ما بين المرّسل والمتلقي، أي المثقف والجمهور. والثاني يتعلق بكون الحرية هي أهم روافع الحق في المعرفة وإبداء الرأي والرد. والمرتكز الثالث ينطلق من التمييز ما بين الثقافة الحقيقية، التي ينتجها المثقف الحر، وما بين الثقافة المزيفة التي يفرضها مثقف السلطة في النظم الشمولية.

يرى الكاتب أن الثقافة هي: نشاط اجتماعي وظاهرة تاريخية، تبدأ من الفرد وتكتمل بالجماعة، وهي قيمة بحد ذاتها، نصنعها وتصنعنا، مثلها مثل العلم والمعرفة. لكنها تضرب بكل القوانين عرض الحائط، فتستبدل العقل بالوجدان، وتستعيض عن التجربة العلمية بالتجريب الإبداعي والمغامرة، وتعمل على إعادة إنتاج الواقع الراهن بواقع بديل، يكون أكثر جمالاً وكمالاً وعدلاً وإنسانية، وبهذا المعنى فهي شوق البشرية الأبدي للحرية والتقدم والتغير.

ويرى أن جمهور الثقافة، هو “مجموعة من الأفراد الأحرار، الذين يملكون القدرة على التنوع والتمايز والاختيار، ولدى كل منهم ذوق وكبرياء خاص وهوية شخصية، يؤمنون بالمعرفة ويستمتعون بالثقافة والجمال، كل على طريقته، وحسب رغبته وميوله”. وعليه يعتبر الجباعي أن الاستبداد هو العدو التاريخي للثقافة الحقيقية، فهو يعمل على إقصائها واستبدالها بثقافة مزيفة، يفبركها ويفرضها على الجمهور، لتقوم بترويج سياسته وحماية سلطته، ذلك بأن يصادر حق المعرفة وحرية التعبير والاتصال، ويشن حرباً مستمرة على المثقفين الأحرار، لتهميش دورهم وعزلهم، ما يودي بالثقافة والمجتمع إلى مستنقع الانحطاط والانغلاق.

يعرض الكاتب وجهات نظر متباينة حول دور المثقف، من وصف لينين أن: “أقرب الناس إلى الخيانة هم المثقفون، لأنهم الأقدر على تبريرها”، إلى تعريف غرامشي عن المثقف العضوي، “الملتحم بشكل حقيقي بالشارع والطبقة العاملة”. وحتى رأي ميشيل فوكو في أن المثقف هو “من يجسد ضمير البشرية، ويحرك وعيها، ويهدي المجتمع إلى الحقيقة، ويدافع عنها ويحميها ويبر بها”. انتهاء بكارل ماركس، الذي اعتبر المثقف “ناقداً اجتماعياً”،  مهمته التعبير عن ضمير المجتمع بالبحث عن الحقيقة، وتحمّل مسؤوليتها، والدفاع عنها مهما كان الثمن.

ويعتقد الجباعي أن ماركس هو من فتح الباب لإقصاء المثقفين، الذين لا تنطبق عليهم مواصفات العقيدة الماركسية، وبهذا تحوَلت الثقافة العقائدية إلى شعارات حزبية براقة وجوفاء عن الحق والعدل والخير والحرية، وصار تقييم الثقافة والمثقفين لا يُقاس بمقياس الفكر والإبداع والنقد المهني، إنما بمقياس بعد المثقف وقربه من السلطة، ورضاها عنه. وقد تبنت نموذج “الواقعية الاشراكية” أغلب أنظمة وأحزاب العالم الثالث “أنظمة التحرر الوطني” المتخلفة أصلاً، والتي استلمت السلطة بانقلابات عسكرية، فأضافت إلى تخلف بلدانها أشكالاً جديدة من التخلف والقسوة والديماغوجيا والاستبداد المتوحش.

سوريا أنموذج مثالي للاستبداد الشمولي، منذ أن استلم حزب البعث السلطة بانقلاب عسكري سنة 1963م، حيث تحوّلت البلاد خلال نصف قرن إلى مزرعة، يحكمها حزب واحد، وزعيم واحد، وإيديولوجيا واحدة. وفي هذه المزرعة صارت الأحكام العرفية معلنة، والحريات العامة مقموعة، والثقافة تابعة، والصحافة الحرة ممنوعة، وكذلك الأحزاب والنوادي، وأي شكل من أشكال المجتمع المدني، بعد أن تضخم الجيش، وتوحشت الأجهزة الأمنية، وتم الاحتيال على الديمقراطية بتسميات جديدة مثل: الديمقراطية المركزية والديمقراطية الشعبية واللجان الثورية وغيرها.

وفي هذا السياق يتحدث الكاتب عن ظاهرة المثقف الموالي أو “المثقف المستبد” الذي تصنعه السلطة الشمولية على شاكلتها، وتوليه كافة منابر الثقافة والإعلام، كي يحارب معها كل الأصوات التي تحاول أن تتجاوز أو تخترق ثقافتها المعلّبة، بحيث يغدو من العسير اللقاء والتفاعل ما بين المثقف الحر والجمهور، فالجمهور يجب أن يبقى تحت أعين السلطة وملكاً لها، لا أحد ينافسها عليه.

يؤكد الجباعي أن الثقافة لا تستطيع الخروج في مظاهرة، ولا هي بقادرة على حمل بارودة أو سكيّن، لكنها تستطيع أن تفعل أشياء أخطر من هذا وأعمق. إنها تبني معنى الحرية، وتبني إرادة التغيير، وترسّخ قيم المحبة والجمال والخير، وشعور الأفراد والجماعات بكرامتهم، وإدراك حقوقهم الإنسانية المشروعة، ومن أجل ذلك فهي تحتاج إلى ثلاث مواجهات مع الحرية، هي في الواقع مواجهة واحدة: مواجهة مع السلطة، وهي الحرية السياسية التي تمنحها السلطة. ومواجهة مع النفس، وهي الحرية الذاتية التي تنبع من داخل المثقف. ومواجهة مع المتلقي، وهي حرية جمهور الثقافة بمن فيهم النقاد.

لا ينكر الجباعي في ختام بحثه، أن الاستبداد بمستوييه السياسي والثقافي، هو إشكالنا الذاتي والتاريخي، الذي لم نستطع أن نتجاوزه بعد، لكنه ينوه أيضا إلى الدور السلبي الذي لعبته سياسات الدول الكبرى في منطقتنا، متسائلا: ألم تهيمن على قرارنا السياسي منذ عقود طويلة؟ ألم تلعب معاهدة تقسيم وتقاسم البلدان العربية دوراً كبيراً في تأسيس الاستبداد والممالك الاستبدادية الوراثية؟ ألم تكن وراء مأساة الشعب الفلسطيني، حين اقتلعته من أرضه، وزرعت مكانه كياناً، لا ندري حتى اليوم ماذا نسميه؟ هل كان من المستحيل تعايش اليهود مع المسلمين والمسيحيين العرب، في دولة ديمقراطية واحدة؟.

ويخلص إلى القول إن الثقافة العربية تقف في مواجهة استبدادين: داخلي وخارجي، وقد تجلّى الاستبداد الخارجي في مسألتين بارزتن: الدعم السياسي، المطلق والدائم، وغير المعلن، للأنظمة العربية المستبدة، على حساب شعوبها وتطلعاتهم في بناء مجتمعات حرة ديموقراطية. وميل الدول الكبرى إلى استمرار الصراعات الدينية والعرقية والمذهبية والقبلية في المجتمعات المتخلفة، كي تبقى عاجزة عن إقامة دولها القادرة والقوية، التي تُعتبر الأداة الأساسية، لتجاوز التخلف والفقر، وإقامة الديمقراطية، وتحقيق التنمية بكل أشكالها.

ويرى الجباعي أن أوضح صورة لتضافر الاستبدادين، الداخلي والخارجي، ضد إرادة التغيير، هو ما يحدث في سورية، من قتل وتدمر وتهجر واعتقال وموت بشع تحت التعذيب، يقوم به نظام مستبد ضد شعبه الأعزل من دون أي رادع، بينما يقف العالم الحر ومؤسساته متفرجاً، على تلك المجازر البشعة، التي هزت ضمر البشرية، عاجزاً بسبب سياساته الكونية، ومصالحه الاقتصادية الضيقة، عن تحقيق الحد الأدنى من المساعدة لهذا الشعب، الذي كان ذنبه الوحيد، أنه كسر جدار الخوف، وخرج إلى الشوارع مطالبا بحقوقه الإنسانية.

إزاء هذا المشهد الدامي، يشعر الكاتب بالقلق على مستقبل الحريات وحقوق الإنسان في العالم الحر، ويدعو المثقفين الأحرار إلى تحالف أممي ضد كل أشكال الديكتاتورية، لأن رفع شعار الديمقراطية وحده لا يكفي، ولأن الديمقراطية تتحول إلى كذبة كبيرة، إذا كانت بلا منظومة أخلاقية متماسكة، وإذا كانت لا تحمل قيم الخير والعدل والمساواة والحرية للبشرية جمعاء.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 13 أيلول 2015 على الرابط

“الثقافة والاستبداد”، دراسة في 136ص، قطع متوسط. المؤلف: غسان الجباعي. الناشر: دار نون/ رأس الخيمة 2015.

Advertisements