غريب يتسلل الحدود التركية السورية، ويستطلع شوارع بلدة آهلة بالسكان، هي “كوباني”، التي تقع على بعد مئة وخمسين كيلومترا شمال شرق حلب، وفي ساحة البلدة صبية تتابع بعينيها العاشقتين شابا يشبه النموذج التشيغيفاري، لا يعيرها أدنى انتباه، وهؤلاء الثلاثة سوف تجمعهم المصادفة بعد حين على أحد حواجز التفتيش، ثم في أحد معتقلات النظام، وسوف يتعارفون، ويتشاركون في رحلة البحث عن محامية اختفت قسّريا في سجون البعث، قبل اندلاع الثورة السورية بزمن طويل.

هؤلاء هم أبطال الحكاية في فيلم المخرج السوري الكوردي شيار عبدي “الطريق إلى حلب”. شاهدته أواخر كانون الثاني/يناير في صوفيا، ضمن عروض مهرجان “مينار” السينمائي، وعلى حد علمي هو الفيلم الروائي الطويل الأول، الذي تنطلق أحداثه من الثورة السورية، وتدور على أرض المعركة الدامية ما بين الجيش النظامي وفصائل الحر، وقد لا يكون مخرجه معروفا لدى الكثيرين من عشاق السينما في سوريا، بسبب إقامته الطويلة في المهجر، لكن صفحته على النت تقول: إنه  من مواليد زمار عام 1973، غادر سوريا إلى هولندا، وهو في العشرين من عمره، حيث درس الإخراج السينمائي، ثم استقر في ألمانيا منذ عام 2005، أخرج العديد من الأفلام القصيرة، قبل أن يقدّم فيلمه الطويل الأول “المسيرة” عام 2011، وينال عددا من جوائز المهرجانات العالمية.

انفتحت عدسة المخرج على الغريب، وانتقلت إلى الصبية العاشقة، وبعد قليل اجتمع الاثنان في السرفيس الذاهب إلى حلب، وعلى الحاجز التابع للجيش الحر، كان الحبيب يحرس الامن ببندقيته. أوقف السرفيس، وطلب هويات الركاب، ولم يكن بحوزة الراكبيّن أية أوراق ثبوتية، أجبرهما على النزول عنوة، وبدأ التحقيق معهما بجلافة، قبل أن يعلو صوت الصبية، ويتدخل قائد الفصيل لإطلاق سراحهما، ويضطران للعودة معا إلى كوباني سيرا على الأقدام.

مع ذلك الاستهلال المقتضب، النابع من طبيعة الحال في سوريا، انجلت سيرة ما قبل البداية لشخصيات الفيلم، ودخلت الحبكة في مسارها الدرامي. روني (روني شامليان) شاب سوري يحمل الجنسية الألمانية، ويعمل في إحدى مشافي برلين، حين يكتشف بعد الثورة، أن أمه التي يعتقد أنها توفيت، كانت تقبع في سجون النظام، ولا تزال على قيد الحياة، وتعيش في حلب، فيدخل بلده متسللا للبحث عنها، وفي طريقه إليها يتعرف بالناشطة الإعلامية نورا (ريام إبراهيم)، المتيّمة بيوسف (بلند مصطفى) الذي انضم حديثا إلى إحدى مجموعات الجيش الحر، الموكلة بحفظ أمن المناطق التي تقع تحت سيطرتها.

ومن دون كلام أعطى الاستهلال المقتضب المبررات الكافية لسلوك الشخصيات، وأشار إلى أنهم ينتمون إلى الثورة السورية، إن كان بشقها السلمي أو المسلّح، كما أشار إلى أن روني كوردي الأصل، لا يملك جواز سفر، ما يفسر تسلله إلى كوباني، التي كانت تنعم بالأمان، أثناء فترة تصوير الفيلم أواخر عام 2013، قبل أن يحاصرها تنظيم “داعش”، ويضطر معظم سكانها، الذين لا يتعدون الخمسين ألف، الى النزوح عن ديارهم.

وكان من الطبيعي، أن تتعاطف الناشطة الإعلامية مع قصة روني، وتحاول مساعدته، وأن يضطر الاثنان للعودة إلى كوباني أكثر من مرة، قبل يصلا إلى حلب، بسبب ظروف الاقتتال، وعدم امتلاك أي منهما ما يثبت هويتهما السورية، وعلى درب الذهاب والإياب، الذي يستغرق معظم الفيلم، ويشبه صخرة سيزيف، سوف يشهدان المجازر الميدانية، وينقذان طفلا أضحى من الأيتام، يدخلان أحد معتقلات النظام، ويتعرضان للتعذيب، لأنهما حاولا إسعاف جريح، وسوف تتسع الزنزانة بنورا، حين تعلم أنها تسند ظهرها إلى الجدار الذي يستند إليه يوسف في منّفردته، قبل أن يغير الجيش الحر، ويعتق جميع من في المعتقل، وينضم يوسف إلى فريق البحث عن الأم المفقودة.

 مسار الحبكة الحزين، والأحداث المأساوية التي تتقاسمها شخصيات الفيلم، وهي تبحث عن حيواتها الضائعة، لم تمنع عدسة المخرج من أن تتغلغل في جماليات المكان، وخصوصيات البيئة، كأنها تكتب تاريخ المنطقة بالصور. مع روني ونورا جالت في حواري كوباني الوادعة، وأسواقها، دخلت بيوتها، وأظهرت الانفتاح الاجتماعي، الذي يميز أهالي تلك البلدة الصغيرة، التي شُيدت على جانبي سكة قطار، تولت تمديدها شركة ألمانية عام 1911، وأصبحت السكة بعد عشر سنوات شريطا حدوديا، يفصل ما بين سوريا وتركيا، ويقسم البلدة الحديثة العهد إلى اثنتين: “مرشد بنار” على الجانب التركي، و”كوباني” السورية، التي شملها التعريب في عهد حافظ الأسد، وسُميت “عين العرب”.

تخرج العدسة من كوباني، وتنفتح بنعومة على منطقة منبسطة، خضراء، هي امتداد لسهل سروج جنوب بلدة اورفا التركية، كانت منذ القدم موطن عشائر البرازي الكردية، وكانوا يسمونها “كاني”، وتعني نبع الماء، وعند هبوط المساء ترافق العدسة روني ونورا إلى أحد الكهوف القديمة، التي اشتهرت بها المنطقة، حيث يبيتان، ويوقظهما البدوي المفزوع على مجزرة جديدة.

وعلى النقيض من العنف الأعمى، الذي يصفع المتلقي باستمرار، لم تحفل المشاهد بالجثث والدماء، بل اكتفت بالإشارة الخاطفة، والدلالة العميقة على الجريمة، وبدت شخصيات الفيلم الهادئة، المسالمة، آسرة إلى حد كبير بإصرارها العنيد على تجاهل الموت، وإنقاذ ما تبقى من الحياة، وجميعهم كانوا من الممثلين الهواة، الذين تمكنوا بفضل إدارة المخرج الجيدة، أن يقوموا بأدوارهم على قدر كبير من التلقائية والحساسية الفنية، قد لا يمتلكها الكثيرون من كبار النجوم السوريين.

بالوصول إلى حلب، والعثور على مكان الأم، وخروجها من باب المدرسة للقاء ابنها، كان من المفترض أن عقدة الفيلم، قد وجدت طريقها إلى الحل والنهاية السعيدة، لكن الطلق الناري الذي يصيبها في كتفها، يدفع بمسار الحكاية إلى أزمة أخرى، حيث تُنقل إلى منزل يوسف لعلاجها، وحين تتماثل إلى الشفاء، وتقابل والده، تكتشف أنه هو الضابط الذي هدّدها، واعتقلها في شبابها، لأنها كانت تترافع عن مثقف من سجناء الرأي.

يهجر الجميع منزل ضابط النظام، يذهب يوسف للقتال مع الجيش الحر، من دون ان يثنيه اعتراف نورا له بالحب، ولا رجائها الحار أن يبقى، يذهب ويتركها لدموعها، هائمة في الطرقات، تدور على فجيعتها، وتطاردها كوابيس المستقبل القادم مع المنقّبات، بينما تتمشى الأم مع روني سعيدة، قبل أن يسقط أمام عينيها برصاص القنّاص، وتنضم هي الأخرى إلى قافلة الرقص على الجراح.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق نوافذ 22 شباط 2015 على الرابط

“الطريق إلى حلب” فيلم روائي طويل (84د)، انتاج: سوري- ألماني مشترك عام 2014، سيناريو وإخراج: شيار عبدي، تمثيل: روني شامليان، ريام إبراهيم وبلند مصطفى، عرض مساء 29/1/2015 في صالة “g8” في صوفيا/  بلغاريا

Advertisements