“السوري إما سجين سابق، أو سجين راهن، أو سجين مؤجل”، يقول فرج بيرقدار، ويعتقد بأن اسم سوريا مشتق من السوريالية، وهو لا يغالي في الوصف، فقد كان نصيبه أربعة عشر عاما من مشهد العذاب، قبل أن يخرج من وراء القضبان، ويُصاب بصدمة الحرية، وهو يحاول عبثا، أن يستعيد علاقته بنفسه وبمحيطه، وقبل أن تصله رسالة من مدير مؤسسة “شعراء من كل الأمم”، تدعوه للإقامة في هولندا لمدة سنة، فيخرج إلى الفردوس، بعد “أربعة شهور منحوسة وموبوءة بالاتصالات والمواعيد والمقابلات والأسئلة والمراسلات”، إلى أن اكتملت أوراقه، واجتاز حدود “مزرعة الرعب”.

في البلد المضيف كانت تنتظره الطبيعة الساحرة، والصحبة الدافئة، وفيه حظي بالدعم والأمان والتقدير بوصفه شاعر موهوب، ومعتقل سياسي سابق، وبدأ حياته الجديدة بالتدريس في جامعة ليدن، ومع أولى الفرص السخية في بلد حر يحترم حقوق الإنسان، كان يستعيد صور الأخاديد الكثيرة التي حفرتها على جدران الزنازين عيون المعتقلين، وهي تحدق فيها لسنوات وسنوات، ويتساءل ما الذي بقي من معنى وطنه؟ غير الشعارات والفساد و”ظلُّ الطاغية المتَّهمِ بالحكمة والمجد والانتصارات المريرة”.

مع تلك المفارقات والتباينات بين عالمين مختلفين، بدأ فرج بيرقدار يكتب يومياته تحت عنوان “الخروج من الكهف”، وكأنه يقول للقارئ، إن وضع المثقف المعارض في المجتمع، هو المرآة الحقيقة التي تعكس صورة النظام الذي يحكمه، وكما هي حال الغريب، تبدأ اليوميات بالكثير من الذاكرة والشعر، ثم تذهب إلى قلب الواقع المعيوش، وتمتلئ بالمشاهدات واللقاءات والخبرات المكتسبة، لتضع الحد الفاصل بين تجربة الموت البطيء في ظل قوقعة الإدانة والإقصاء، التي كانت مفروضة عليه، وبين حركة الحياة الدافقة، بكل ما تحمله من دهشة ومصادفات، حين يستنشق الجميع هواء الحرية النظيف.

ويوميات فرج في هولندا، مليئة بالشخصيات الهامة والصداقات الودّية، التي فتحت له أبواب الخروج من الكهف، وأعانته على الاندماج في الحياة، وهي تبدأ من رونالد بوس، الكاتب والصحفي، الذي كان ينتظره في المطار، ليستكمل تصوير فيلم وثائقي عنه، كان بدأه قبل أكثر من عامين، حين فوجئ بخبر نشرته “اللوموند”، عن شاعر سوري يقبع في المعتقل منذ اثني عشرة عاماً، فاتصل بالأمنستي، وحصل على عنوان أهله في سوريا، زارهم وصوَّر جزءاً من الفيلم، ثم صور جزءاً آخر بعد إطلاق سراحه.

في اليوم التالي تجمعه الأمسية الشعرية بصديقه القديم سيف الرحبي، وفي الجامعة يلتقي بالراحل نصر حامد أبو زيد، وعلى مقربة منه يسكن زميله السوري الكردي حنيف يوسف، كان في سجن حلب، وكان يهرِّب قصائده لتصل فرج، وينشرها له، وتم الإفراج عنه استجابةً لتوصيات اللجنة الطبية بشأن وضعه النفسي. في هولندا خضع للعلاج، وكجزء منه أشركوه في دورة للنحت، وظهرت موهبته الجديدة، فعرضوا منحوتاته، وباتوا يقدّمون له المشغل وكل مستلزمات العمل، وكثيراً ما كان حنيف يردّد، أن وضعه أشبه بمن انتقل من احتمالات الجحيم إلى تخوم النعيم.

يزور فرج صديقه أبو رودي، الذي يعيش مع أسرته في مركز اللجوء منذ أربع سنوات بانتظار قرار المحكمة، ومن خلاله يستعرض أوضاع طالبي الجوء: لكل شخصين غرفة مع منافعها، مجهزة بالأساسيات من ماء وكهرباء وتدفئة وسريرين وطاولة وخزانة وبرَّاد وتلفزيون وغسالة، وهناك عدد من المطابخ الجماعية الحديثة، مع ضمان صحي ومساعدة اجتماعية للفرد، لا تتعدى ثلاث مئة وخمسين يورو شهرياً. أما الأُسَر فلهم بعض الامتيازات السكنية والمالية، بالإضافة إلى ضمان كل ما يتعلق بتعليم أولادهم.

طالبو اللجوء يَعدُّون الأيام والشهور وأحياناً السنوات، وهم ينتظرون قرار القبول أو الرفض، فبعد هجمات الحادي عشر من أيلول على برجي مركز التجارة العالمي في أميركا، بدأت السلطات الهولندية، كغيرها من الدول الأوروبية، تتشدّد في شروط منح اللجوء الإنساني وحتى السياسي، وفي تلك الفترة أعلنت أنها أغلقت ملفَّ ستة وعشرين ألف شخص، بعضهم مضى على انتظاره أكثر من ست سنوات، بينهم حوالي أربع مئة سوري، لا تستطيع الأمنستي مساعدتهم، لأنها لا تمتلك أي وثائق أو تأكيدات بشأن حقيقة اضطهادهم السياسي في سوريا.

ما إن يدخل فرج الحياة العملية، وتتحسن لغته الإنكليزية، ويستدل على المرافق العامة، حتى يصحبنا في جولات ميدانية ممتعة، غنية بالمعلومات، حول نمط الحياة، وعادات الهولندين، من اللطف الجمّ وتقديس العمل، إلى ركوب الدراجات الهوائية وأكل نوع من السمك النيئ مع البطل المفروم. وفي مدينة ليدن الصافية النيَّة، القريبة جداً من القلب، على حد تعبيره، يمر بمراكز الفوضويين ويحاورهم. يستطلع المقاهي التي تقدِّم لزبائنها الحشيش والماريجوانا، ويشير إلى أن الاتِّجار بهاتين المادتين ممنوع، غير أن تعاطيهما في المقاهي، أو شراءهما بمقادير محددة للاستهلاك الشخصي أمر مصرَّح به للجميع، ومع ذلك فإن التقارير تشير إلى أن استهلاك هولندا للحشيش والماريجوانا أقل من الدول التي تحرِّمهما أو تحاربهما.

 يقودنا إلى متحف “فان خوخ” (بخاءين كما يلفظ كنيته الهولنديون)، ويحدثنا عن حي البغاء، الذي ينبغي المرور فيه قبل الوصول إلى المتحف: حيٌّ مكتظ بالبشر، أشبه بمدينة قروسطية،  بيوت سكن ومطاعم ومقاهٍ ونوفوتيهات، دور سينما ومحلات فيديو ومكتبات تعلن عن أفلام وكتب وأشرطة ومجلات جنسية، أزقة بالغة الضيق، بينها تمتد سلسلة من “الفيترينات” لعرض بنات الهوى، وعلى ضفة إحدى القنوات يرتفع نُصبٌ لعضو ذكري، وفي منتصف الحي كنيسة قديمة جداً، يقصدها الطاعنون في السن. ويذكر فرج أنه قرأ عن نشوب أزمة بين نقابة بائعات الهوى والحكومة منذ سنوات، لأن الأخيرة فكرت في هدم الحي أو تجديده أو ربما نقله، وكانت الصحافة تدافع عن مهنة البغاء كأقدم مهنة في التاريخ، وعن الأهمية التراثية والسياحية والثقافية لهذا الحي، الذي يمكن اعتباره الأقدم والأشهر في أوروبا.

بعد الحي بقليل يقع متحف الشمع، ثم القصر الملكي بساحته الواسعة المرصوفة بأحجار بازلتية، لا وجود لها في الطبيعة الهولندية. ومن الخلف خط الترامواي باتجاه متحف “فان خوخ”.  “يتكوَّن الطابق السفلي من صالة عرض على شكل قوس، ممتد إلى حوالي مئة متر، تقطعه حواجز خشبية وقماشية، يمكن توضيعها بأشكال ووظائف مختلفة، تبعاً لطبيعة المعارض والمعروضات من لوحات أو منحوتات لفنانين هولنديين وأجانب. يلي الصالة مَرافِقُ خدمية متنوعة تغلق القوس، وفي المنتصف مسطَّح إسمنتي مائل، توشوشه المياه بأشكال مختلفة، انسراباً وتدفقاً وشلاَّلات ونوافير”.

في جامعة ليدن التي تأسست عام 1575، وتأسس فيها قسم اللغة العربية عام 1613، في الجامعة العريقة يزداد عمل فرج كثافة ومتعة، ويفاجئه تفاعل الطلبة مع الغزل في الشعر القديم، معلقة امرئ القيس مثلاً، أو قصائد عمر بن أبي ربيعة، وقيس بن الملوح. كما يفاجئه ثراء مكتبة الجامعة بالمخطوطات والمطبوعات الشرقية.

عدد المخطوطات من الشرق الأوسط وحده، يبلغ حوالي ستة آلاف مجلد، قرابة خمسة آلاف منها مخطوطات عربية، منها مخطوطة “طوق الحمامة” لابن حزم الأندلسي، ومخطوطة “كتاب الأصول” لمؤلفه إقليدس بترجمته العربية، ومخطوطة “علم الحيل الهندسية” لابن الجزري، وترجمة “كتاب الحشائش” لديوسقوريدس وغيرها. أما المطبوعات الشرقية فإنها تملأ ألف دولاب. والدولاب مكتبة عرضها متر وفيها ستة رفوف، تحتوي الواحدة وسطياً على أربعين مجلداً. وعدد المجلدات في المكتبة كاملة، ـحوالي ثلاثة ملايين عنوان، وبعض العناوين يمكن أن يتضمن أكثر من مجلد، وأحياناً سلسلة من المجلدات.

قبل أن تنتهي مدة إقامته ككاتب في هولندا، مُنح فرج بيرقدار جائزة “الكلمة الحرة” التي ترعاها منظمة “نوفيب” الهولندية، بالتعاون مع مؤسسة “شعراء من كل الأمم”، لأنه تعرض في وطنه للاضطهاد والاعتقال والتعذيب، وحُرم من فرصة إلقاء قصائده على المنابر السورية، الرسمية منها والخاصة على حد السواء. ويقيني لولا تلك الإقامة الذهبية، واهتمام العالم الحر بقضيته، لظل فرج قابعا ومحاصرا في سوريا، ينوء بذاكرته وآلامه على هامش دولةً، تعتَبر حرية الرأي والتعبير خيانة وطنية وجريمة كاملة، تستحق أقسى أشكال العقاب.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق “نوافذ” 26 تموز 2015 انظر

م: “الخروج من الكهف/ يوميات السجن والحرية”، سيرة ذاتية في 172 صفحة، تأليف: فرج بيرقدار

الناشر: دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت/ 2013، حاز الكتاب على جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عن فرع اليوميات

Advertisements