هل بقي حق من حقوق المرأة السورية لم ينتهك بعد؟ هل يوجد شكل من أشكال العنف لم يُمارس عليها؟ معتقلات ومخطوفات ورهينات، شهيدات تحت التعذيب وبرصاص القنص أو القصف العشوائي، مغتصبات وقتيلات لغسل العار، أرامل وأمهات ثكلى، نساء يمتّن من الفاقة والبرد ونقص الدواء، وأخريات يتعرضّن للابتزاز، وقاصرات يُرغمّن على الزواج. وهنّ لسّن مجرد أرقام وشهادات بذمة تقارير المنظمات الحقوقية ووسائل الاتصال، إنهّن معظم النساء السوريات.

ومن يتابع الوثائق والأرقام، سوف يلاحظ أنها منقوصة ومتضاربة في بعض الأحيان، لا تعكس بدقة حجم الكارثة الإنسانية التي تعيشها المرأة السورية، فأغلب المنّكوبات مضّطرّات للصمت، تارة خشية النظام الحاكم والجماعات التكفيرية، وأخرى خوفًا من أعراف المجتمع الذكوري وتجار البشر. لكن الشهادات التي جُمعت، ووُثقت، وأثبتَ صحتها أطباء وحقوقيون مختصون، كافية لإدانة الجناة أيًا كانوا، وأينما وجدوا، ومع ذلك لم يُحال أي منهم إلى القضاء، فيما تتعرض أغلب اللاتي أدليّن بشهادتهنّ للتشهير والعزل الاجتماعي، ولأعمال انتقامية تصل أحيانًا حد القتل.

بحسب “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، بلغ عدد سجينات الرأي السوريات أربعون ألف معتقلة العام الماضي. معظمهّن من الشابات وبعضهنّ متقدمات في السن، وأخريات لم يبلغّن سن الرشد. تعرضّن للتعذيب والاغتصاب، فقط لاشتراكهنّ في المظاهرات السلمية، او لنشاطهنّ في أعمال الإغاثة الإنسانية وإسعاف المصابين. بعضهن عُذبّن بقصد عطبهنّ مدى الحياة، وأخريات قُتلّن تحت التعذيب. فيما يجري تصوير الاعتداءات الجنسية، لابتزاز الضحية بعد خروجها من السجن، وتُصاب واحدة من كل عشرين معتقلة بمرض عضال، لسوء شروط السجن.

ليس وحده شبح الاعتقال والخطف، من يحوم حول “المواطنات السوريات” بسبب ومن دون سبب، فمع تدهور الأوضاع الأمنية، وموجات النزوح الجماعي، فقدت الكثيرات مصدر رزقهنّ، وباتت البطالة واحدة من المعضلات التي تهدد حياتهن بكل أشكال العوز والابتزاز. في مناطق النزاع تعاني أغلب النساء الجوع اليومي وبرد الشتاء، يفتقدّن الكهرباء، يشربّن المياه الملوثة، يلدّن في العراء، ويصبّن بإعاقات جسدية ونفسية مستديمة، جراء الإهمال والقصف والقنص والرعب. وفي أماكن اللجوء، عدد كبير من الناجيات بلا عمل، يعشّن على الصدقات والمعونات الإنسانية، وأحيانا يضطررّن إلى التسوّل لتأمين قوتهنّ اليومي، ومنهنّ من تتعرض للتحرش الجنسي والعنف والزواج بالإكراه.

كان العنف الأسري والتمييز الاجتماعي، بالتقاطع مع الاستبداد والفساد، وتدني مستوى المعيشة، هو ما دفع بأعداد كبيرة من نساء سوريا للانخراط في الثورة، لكن مشاركتهّن لم تبدد معاناتهنّ، بل فاقمتها، ليس فقط في مناطق سيطرة النظام، بل أيضا في المناطق المحررة، التي كان من المفترض بها، أن تشكل حاضنة آمنة للناشطات، ونواة للمجتمع المدني. فقد شهدت أماكن نفوذ بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة، انتهاكات خطيرة بحجة تطبيق أحكام الشريعة، من فرض الحجاب ونكاح الجهاد وسبي النساء واختطاف الناشطات، وغيرها من الممارسات العنفية التي كان من السهل إبطالها على مبدأيّ: “لا ضرار في الدين” و”التخلي عن الحلال ليس حرامًا في الشريعة”.

ليست المدونة طلّ الملوحي المعتقلة الأولى في سجون النظام، ولن تكون الأخيرة. ما يميز تجربتها، أنها اعتُقلت قبل عامين من اندلاع الثورة، ولم تكن قد تجاوزت عامها السابع عشر، أي أنها كانت بحكم القاصر، وكانت تستعد لامتحانات الشهادة الثانوية، ومع ذلك دخلت أقبية الزنازين، وتعرضت لشتى صنوف التعذيب، وحين بلغت سن الرشد، أُحيلت إلى محكمة “أمن الدولة” التي قضت عليها بالسجن لخمس سنوات بتهمة “التجسس لصالح دولة أجنبية لقاء مبالغ مالية” في شباط 2011.

وكلنا يعرف أن هذه القضية الغامضة، أثارت حفيظة الرأي العام العالمي، ومنظمات حقوق الإنسان، وشهدت بعض العواصم العربية والأوربية وقفات احتجاج على اعتقالها، بينما قام أكثر من أربعة آلاف شخص بالتوقيع على بيان حملة “أفرجوا عن طلّ الملوحي”، ولم يُفرج عنها حتى اللحظة، مع أنها أنهت محكوميتها، بل إن المحامي خليل معتوق الذي تبرع بالدفاع عنها، يقبع في السجن منذ عام 2012.

الفنانة سمر كوكش، خريجة المعهد العالي للفنون المسرحية عام 1995، التي شاركت في الكثير من الأعمال الدرامية في المسرح والسينما والتلفزيون، وعملت في الدبلجة. سمر ساعدت طفلة على الخروج من حصار المعضمية، وعلى إجراء جراحة عاجلة لها، كما أوضح الزميل محمد الزيبق، وعلى إثرها اعتقلتها أجهزة الأمن السورية في التاسع والعشرين من 2013، وأودعتها الفرع (215) المعروف بوحشيته، قبل أن ترّحل إلى سجن عدرا المركزي، ويصدر الحكم بحبسها خمس سنوات بتهمة “تمويل الإرهاب”.

الكاتبة والناشطة رزان زيتونة، صورة مشرقة من صور كفاح المرأة السورية. بدأت مهنتها كمحامية في الدفاع عن المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي، وشاركت في تأسيس “جمعية حقوق الانسان”. نشرت الكثير من المقالات والتقارير حول انتهاكات حق الرأي والتعبير في سوريا، وفي عام 2005 أسست موقعًا الكترونيًا خاصًا بانتهاكات النظام، اِضافة اِلى عملها في لجنة دعم عائلات المعتقلين السياسيين.

مع بداية الثورة السورية، أسهمت رزان في تأسيس “لجان التنسيق المحلية”، وعلى إثرها اقتحمت المخابرات الجوية منزلها في دمشق، وصادرت العديد من أوراقها ومقتنايتها الشخصية، واعتقلت أخ زوجها، كرهينة عنها وعن زوجها، الذي اعتُقل بعد أيام، وقضى ثلاثة أشهر في الحبس الإنفرادي.

رزان زيتونة، أيقونة الثورة السورية، الحاصلة على جائزتي “آنا بوليتكوفسكايا” و”ساخاروف”، التي استطاعت أن تضلل عيون الأمن، وتنتقل إلى الغوطة الشرقية المحررة، وتفتتح في دوما مركزا إعلاميا لتوثيق جرائم النظام، وإرسالها إلى قنوات الاتصال. رزان اختطفتها جماعة تابعة لـ”جيش الإسلام”، من المركز الإعلامي، يوم التاسع من كانون الأول 2013، ومعها اختطفت زوجها وائل حمادة وسميرة الخليل وناظم حمادي، ولا يزال مصير الأربعة مجهولًا حتى اليوم.

وسيرة الناشطة سميرة الخليل في دوما، ترسم ملامح الحرية المخطوفة في سوريا منذ خمسة عقود. هناك أمضت أربع سنين في سجن النساء، بوصفها معتقلة سياسية شيوعية، بين عامي 1987و1991. وحين اختُطفت كانت تعمل على توثيق الجريمة، ومساعدة المحتاجين وتدوين ملاحظاتها في البلدة المنكوبة. ملاحظاتها التي صدرت مؤخرا في كتاب “يوميات الحصار في دوما 2013″، من تقديم وتحرير زوجها المعتقل السابق ياسين الحاج صالح.

في الخامس والعشرين من تشرين الثاني، يقول العالم: لا للعنف ضد المرأة، ويطالبنا الضمير الحي، أن نبذل كل جهد لإنقاذ آلاف المعتقلات والمخطوفات والمعنفات في سوريا. فليس من العدل أن تذهب عذابات السوريات ودمائهن في مهب الريح، وأن يُرغمّن على العودة إلى بيوت الطاعة. مناهضة العنف والتمييز ضد النساء، ليست قضية ثانوية في الثورة، هي من صلب معركة التغيير الجذري في المجتمع الذكوري، لأنها تعني الإصلاح الديني والسياسي، المساواة الاجتماعية وحقوق الإنسان.

تهامة الجندي

جيرون 24 تشرين الثاني/نوفمر 2016 على الرابط

م: خرجت سمر كوكش من المعتقل بعد نشر المادة بحوالي الشهرين، مبروك لها خروجها سالمة، والحرية لباقي المعتقلات والمعتقلين.

Advertisements