يحضرني وجهه ويعاتبني، لماذا لم أكتبْ عنه بعد؟ لماذا تنّسوننا في الجحيم؟ أقول: لا أصدق انهم اعتقلوكَ مع ابنك مهّيار، ولا أقوى على التفكير أنك لا تزال رهن الاعتقال، من دون محاكمة أو سبب وجيه، سوى أنكَ سجلتَ اعتراضك على إراقة دماء السوريين في صفحتك على الفيسبوك. لا أتخيلكَ إلاّ بيننا أيها الكائن المسالم، الدمث، الذي كان يعمل بحب وصمت، على إعادة الاعتبار لفن “خيال الظل”، وعلى توظيفه في المسرح المعاصر.  ولعل الحديث عن مسرح “خيال الظل” في سوريا، لا يستوي من دون العودة إلى تجربة المخرج زكي كورديللو، منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وحتى تاريخ اعتقاله في الحادي عشر من آب 2012. تجربة ريادية، كان حصيلتها أن أقام عدة ورش عمل للطلبة والهواة، وأخرج ست مسرحيات، ثلاث منها للأطفال، هي: “الفتاة النشطة”، “مملكة النمل” و”أحلام مائية”، وثلاث للكبار، هي: “ظل ونور”، “ملحمة المعرّي” و”القبطان كركوز”.

إلى ذاك فإن كورديللو، واحد من خريجيّ “المعهد العالي للفنون المسرحية” عام 1984. عمل في المسرح القومي، وشغل منصب مدير مسرح “الحمراء”، وفي رصيده كممثل ما يزيد عن ثلاثين عملا، ما بين المسرح والسينما والدراما التلفزيونية والإذاعية والدبّلجة، لكن هذا التاريخ الحافل بالعطاء الفني، لم يشفع له أمام “سلطة الممانعة”، ولم يحمل “نقابة الفنانين” على تحريك ساكن لإنقاذه من المعتقل، فهذه النقابة أخذت على عاتقها، تأديب الفنانين لا الدفاع عنهم، وهذه واحدة من عجائب الدهر.

أذكر أني التقيت زكي للمرة الأولى في مديرية المسارح، أواخر عقد التسعينات، من أجل الحوار حول مشروعه. سألته لماذا “خيال الظلّ”؟، وعلى ما أذكر أنه أجاب: لأنه واحد من أقدم الفنون الانتقادية الساخرة، التي فتحت باب الحوار المباشر مع المتلقي حول همومه اليومية، سيما الاجتماعية منها والسياسية. حكى لي أن هذا الفن العريق ظلَّ رائجا في دمشق حتى أربعينات القرن العشرين، وكان يُقدّم في مقاهٍ، تُعرف باسم “قهوة الكركوز”.

ذكر لي أن “خيال الظل” يعتمد على الدمى، التي تُصنع غالبا من جلود البقر المجفّفة، ويتم تلوينها بالألوان المستخرجة من الورود وأوراق الشجر. وأنها تتراوح بين الثلاثين والخمسين سنتيمتراً، ويتم تحريكها بعصا، خلف ستار من القماش الأبيض، مضاء من الأسفل، بحيث ينعكس ظلّها على الشاشة أمام المشاهدين. كما ذكر لي أن علاقته بهذا الفن، بدأت عام 1983، حين شارك بورشة عمل قادها عبد الرزاق الذهبي، آخر المخايلين -على حد تعبيره- وأن حبه وتقديره لجهد الذهبي، هو ما يدفعه لأن يكمل رسالة أستاذه، بعد رحيله.

قدّم كورديللو أول أعماله في إطار مسرح “خيال الظل”، تحت عنوان “ظل ونور”، عن نص لأكرم التلاوي، حضرّتُه في قصر العظم بدمشق أواسط عام 2001. ويتكوّن العرض من مجموعة من اللوحات الاجتماعية الإنتقادية الساخرة، التي تقارن بين الأصالة والمعاصرة، عبر المقارنة بين الفنون التراثية (الكركوز والحكواتي) والدراما التلفزيونية.

الأولى من وجهة نظر العرض، كانت بيد الصنّاع المهرة، أصحاب الكار، وكانت تلتصق بهموم الناس. في حين أن الثانية، أي الدراما، ابتعدت عن إشكالات الحياة اليومية، وغدت لعبة التجار ومعدوميّ الموهبة والمعرفة، ومن خلال هذه المقارنة، كان يتم الانزياح باتجاه إشكالات الواقع السوري، من الفساد وانسحاق المواطن العادي، أمام لقمة العيش وأجهزة القمع.

“ملحمة المعري” كانت المسرحية الثانية، التي أخرجها زكي كورديللو، عن نص اواديك اسحاقيان، وإنتاج مديرية المسارح. قدّمها على خشبة مسرح “الحمراء” بدمشق ربيع 2007، ولم يتثنَ لي حضورها، فقد أوقفتها “لجنة المشاهدة” بعد العرض الأول، بحجة السوداوية وعدم اكتمال الشروط الفنية. قصة تتكرر مع العديد من الأعمال الإبداعية، التي ينتجها القطاع العام في سوريا.

أواخر عام 2008، حضرتُ “القبطان كركوز” في مسرح “القباني” بدمشق. كان آخر الأعمال التي أخرجها كورديللو للكبار، عن نص  بنفس العنوان للكاتب التركي عزيز نيسن، أعدّه باللهجة المحكية بسام سفر، وبرأي أن العرض، شكّل نقلة نوعية على مسار مشروع زكي الفني.

تفترض الحبكة، أن شخصيتي “خيال الظل” الأساسيتين كركوز وعيواظ، تمزقان شاشة العرض، وتخرجان إلى الحياة، حيث يُعيّن كركوز قبطانا لسفينة “الديمقراطية” المهداة من جمهورية ماستريكو، وعلى عاتقه تقع مسؤولية جلبها، وانتقاء طاقمها. لكن وبأمر من المدير العام، فإن اختيار الطاقم، لا ينبغي أن يتم وفق الشهادات والكفاءات والخبرات، كما هي الأصول المتبعة في حالات التوظيف، بل ينبغي أن يجري حسب الوِساطات والرّشى.

وكما أن القبّطان كركوز، يخشى البحر، ولا يعرف شيئا عن أمور الملاحة، كذلك يتم اختيار بقية الفريق، بما فيهم المترّجم المتأتئ (زكي كورديلو) الذي لا يجيد حتى لغته الأم. ما يقود الجميع إلى كارثة غرق السفينة بمن عليها، لاسيما بعد أن يتضح أنها قديمة جدا، خاضت الكثير من الحروب في العراق وفلسطين، ولا يمكن التراجع عن قبولها، حسب بنود الاتفاق. وكانت رسوم الفنان علي فرزات، تفصل ما بين المشاهد، وتتهكم على فساد المسؤولين، لتحيل مقولة العرض من الفضاء العام إلى الوضع السوري مباشرة.

الحبكة المقترحة، التي تقوم على حدود الخيال والسخرية، تحمل في طياتها الكثير من الإحالات والرموز السياسية والاجتماعية، التي تتعلق بإشكالات وأسئلة راهنة، تجّسم على صدر المنطقة العربية، ليس أولها غياب الحريات الديمقراطية، وليس آخرها البيروقراطية والفساد الإداري. لكن الأهم من ذلك، هو الإلحاح على فكرة أن عوامل القمع والفساد، هي التي تهزمنا، وهي التي تجعل من البشر مهرّجين ومتسوّلين على موائد المتنفذين.

بعد ثلاث سنوات سوف تنطلق الثورة السورية، ويختفي زكي كورديللو، ومعه الآلاف من المثقفين والناشطين السلّميين، وسوف تذهب أدراج الرياح كل الحملات والمناشدات لإطلاق سراحهم، من سجون لا تقيم وزنا لحق البشر في حرية التعبير، ولا تكفل الشروط الدنيا للبقاء على قيد الحياة.

تهامة الجندي

جيرون 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016 على الرابط

Advertisements