ربما يكون مفاجئا ما أورده ياسين الحاج صالح في كتابه “بالخلاص يا شباب” من أن “السجن في سورية الثمانينات وأكثر التسعينات، كان مكانا أكرم من أي مكان آخر، لأي شخص مستقل الضمير ومعارض للنظام”، وقد يكون من المستغرب، ان يعاين السجن السياسي بوصفه فضاء للعيش المشترك، ومجالا للتراكم المعرفي والثقافي، لا باعتباره شرطا للأذى النفسي والجسدي، ومقياسا لمصادرة الحياة، لكن مع هذا المنظور الجديد لمحاكمة تجربة الاعتقال التعسّفي، يضع الكتاب علامة فارقة في سياق ما حفلت به “نصوص السجن” السورية، تجعله أشبه بدراسة حالة وجودية، تنزع إلى مقاومة وحش الاستبداد، الذي يبتلعنا نحن السوريين منذ حوالي نصف قرن، داخل المعتقلات وخارجها.

خارج المعتقل كان يرّزح السوريون تحت وطأة، ما وصفه المؤلف بالزمن البغيض، و”العصر الذهبي للمخبرين وكتّاب التقارير، زمن “المسيرات الشعبية العفوية” المذلّة، والاستفتاء وبرقيات الولاء بالدم، وصعود الوضعاء، وانتشار مسلحي النظام، الذين يمكن أن يتعرضوا لأي كان في الشارع… كانت السلطة تضع رموزها في كل مكان، الأمر الذي يصلح مقياسا لغربتها، واتساع المسافة بينها وبين محكوميها الخاضعين ظاهريا، لكن تضييق هذه المسافة، اقتضى بث الشعور في المحكومين جميعا، بأنهم هم الغرباء في “سورية الأسد”، ان دخولهم في مكرمات من النظام، أن تبعيتهم شرف لهم، وان خوفهم هو امانهم”، وهو وصف لا يزال مستمرا وقائما إلى يومنا هذا، وإن اتخذ أشكالا أكثر وحشية ما بعد الثورة السورية.

في ذاك الزمن البغيض كان ياسين طالبا جامعيا في كلية الطب، لا يرغب في إكمال سنته الثالثة، وكان شابا في العشرين من عمره بلا حياة عاطفية ولا جنسية، ومناضلا سياسيا في شروط شديدة العسر والتعقيد. كان سيء التأهيل، ودخوله إلى السجن بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي السوري/ المكتب السياسي، قطعه عن ماضيه، وحماه من أن يؤذي نفسه أكثر مما فعل، وأعاد صقله من جديد، و”في المحصلة ذهب الشخص الذي دخل السجن عام 1980 قرباناً، لذاك الذي خرج منه عام 1996″، بعد أن أمضى ستة عشر عاماً، متنقلا ما بين سجن حلب المركزي، ومعتقل عدرا في دمشق، ثم سجن تدمر الرهيب.

يبدأ ياسين ذاكرته من محطتها الأخيرة، حين رُحّل إلى سجن تدمر مع ثلاثين سجينا، بعد انتهاء محكوميته، لأنه رفض التعاون مع الأمن، يصف المكان بأنه “عار السوريين”، و”معيار قسوة وتدميرية السجون السورية”، يقبع الإسلاميون فيه، وبعض الناشزين من الأحزاب الاخرى، لآجال غير معلومة في أسوأ الشروط، منقطعين تماما عن العالم الخارجي، فأبوابه لا تُفتح إلا لتلقي القليل من الطعام، والكثير من العقاب، وعليك كل الوقت أن تظل مطأطئ الرأس، وأن لا تنظر إلى الأعلى، أو إلى عيون الآخرين، وفي هذا السجن الرهيب يعترف المؤلف بأنه كان بأمس الحاجة إلى ألوهة ما، يستجير بها على الرغم من فكره اليساري: “كنت مسكونا بالرعب، وفي حاجة الى من يُسكّن قلبي”، ومع هذا الاعتراف واعترافات مشابهة، يبدأ الكتاب بتقويض أسطورة المعتقل السياسي السائدة، وأنسنة صورته.

ينتقل المؤلف بين الوقائع والأمكنة والشخصيات، من دون أن يتقيد بالتسلسل الزمني، أو يراعي شروط الحبكة الأدبية، ولا تفريعات المسار الدرامي، فهذه الاعتبارات خارجة عن طبيعة نصه، الذي يقوم على التأمل والتفكير في حياة السجين، بوصفها مرحلة انقلابية من عمره، تفرضها جملة من الشروط القسّرية، وشبكة مركبة من العلاقات المتبادلة، ما بينه وبين نزلاء السجن والسجانين، والأهالي من خلف القضبان، أو كما يقول في حواره مع رزان زيتونة: “السجن قاس، وقد يكون مدمرا، لكنه بيئة السجناء، وطنهم وبيتهم، سجوننا تشبه أوطاننا، تشبهنا نحن أنفسنا”.

 وفي أكثر من موقع يحاول الإشارة إلى أن شروط السجن، ليست من مسؤولية السجانين وحدهم، بل هي أيضا رهن بأخلاقيات السجناء، وعلاقتهم ببعضهم البعض، فواحدة من أكبر سلبيات الحياة في السجن، هي الافتقار إلى الحد الأدنى من الخصوصيات الشخصية، والانكشاف الكامل أمام الآخرين: “نحن نغيّر ثيابنا على مرأى من الآخرين، ونشخر على مسمع منهم، نحزن ونغضب… إنهم يروننا ونراهم في أوضاع وأحوال، لا نحب عادة أن نُرى فيها”.

ويبدو السجن من منظور المؤلف، كما لو أنه حلقة الوصل ما بين ماض انقطع، وحاضر يتخلق في رحمه بعد مخاض عسير: “بعد تجربة التعذيب الراضة، وسنوات من الحرمان والقسوة والكرب، يخبر فيها السجين الخوف والجوع والمرض والمهانة وافتقاد الجنس الآخر، يتجدد إن لم ينكسر، الأمر يشبه طقس التنسيب إلى مجتمع الناضجين، لمن أدركوا سن البلوغ في بعض الثقافات الإفريقية”، في هذه المرحلة يستقر وضع السجناء نسبيا، ويحظون بزيارة ذويهم، ومشاهدة التلفزيون، والحصول على الكتب، وبعض وسائل التسلية كورق الشدّة، وفي هذه المرحلة يبرز السؤال كيف يتعاملون مع الوقت؟

بعض السجناء يقتلون وقتهم بلعب الورق، وصنع المسابح من نوى الزيتون، والحلى من الخرز، وبعضهم يتصالحون مع الزمن بتعلم اللغات الاجنبية، وقراءة الكتب. أولئك يسميهم ياسين بـ”مثقفي السجن”، ويميزهم عن السجناء المثقفين، كميشيل كيلو مثلا، بأنهم لم يدخلوا السجن مثقفين، بل كانوا مجرد أعضاء في أحزابهم، وخرجوا منه مثقفين بفضل جهدهم وقراءاتهم، وفي هذا السياق يتساءل: “عما كان بالإمكان أن تكون عليه حال الثقافة في سورية، لو تسنت للإسلاميين إمكانية القراءة والتعلم في سجن تدمر؟”.

يعتبر ياسين نفسه واحدا من مثقفي السجن، ويرى ان “الكتب لا تتعامل مع الوقت كعدو ينبغي قتله، إنها تجعله رفيقا نستأنس به، الكتب تضاعف الحياة، وتمنحنا صحبة مختلفة”، وأن القراءة جعلته يبتعد عن الشيوعية، ويحتفظ بميوله اليسارية، فـ”مشكلة الشيوعية هي التعارض بين انحيازاتها الإنسانية المفتوحة، ونظامها العقائدي المغلق، وقد ذهب المفتوح ضحية المغلق”، ويؤكد في معرض حديثه أن “السجن كان مجال تراكم معرفي وثقافي، وتحصيل “رأسمال رمزي” ارتفع بمثقفين وناشطين سياسيين، من منابت متواضعة إلى مراتب الطبقة الوسطى، ويوضح أن الأمر يتعلق بمثقفين مترجمين، وكتّاب أو فنانين، يقومون بدور عام، ويتعرضون للأخطار، ويعيشون من عملهم حصرا.

في لحظة ما، ينتهي زمن السجن، ويبدأ زمن الحرية، ومعه تبدأ محنة السجين السابق، بعد فرح قصير على خروجه سالما من بطن الغولة، يجد نفسه امام إشكالات كثيرة، ليس أولها الإحساس بالغربة مع ذويه، وليس آخرها الحصول على عمل، وتدبير أمور معيشته، بعض السجناء السابقين يُحرمون من العودة إلى وظائفهم، أو من تعويضات سني السجن، وبعضهم يُحرمون من حقوقهم المدنية، أو يُمنعون من السفر، ومنهم من يعاني أشكالا مختلفة من العزل والقهر الاجتماعي، سيما سجينات الرأي السابقات.

ومن المؤسف والمؤلم غياب الأنشطة المنظمة، والهيئات المستقلة، وأشكال التكافل الاجتماعي غير الشكل الديني، التي بإمكانها أن تُعنى بقضايا المعتقلين السياسيين في البلد، على الرغم من ان الإفراج عن المعتقلين، وإعادة الحقوق المدنية للمحرومين منها، صارت بنودا ثابتة على أجندة العمل الديمقراطي في سورية، منذ أضحت قضية الاعتقال قضية وطنية في أواخر السبعينيات.

  يتحدث ياسين عن تجربته بصدق وتواضع، يمس قلب القارئ، وينتزع احترامه، يقول عن فترة خروجه من السجن: “وجدت نفسي حرا أكثر مما أطيق وأحتمل، وسرعان ما رميت حريتي الفائضة هذه، واستسلمت لما يكاد ان يكون سجنا، استئناف دراسة الطب”، وفي مقطع آخر يعترف: “وجدت نفسي بعد ثلاثة أسابيع من الإفراج عني وحيدا تقريبا في بيت بلا نساء، كان قبل السجن يضج بالحياة، ولعل هذا ما زاد من احتياجي للمرأة حدة، كنت أتضور جوعا لعطف انثوي لا ينتهي، ولا أعرف كيف أطلبه، ولا كيف أحافظ عليه”، وحين يسأله محمد الحجيري، إن كانت المرأة تحضر في السجن؟ يجيب: “تحضر فقط؟ قل تجتاح، وتحتل وتستوطن، الحرية كانت تعني للسجين الذي أنا هو، المرأة والحب”.

يمضي ياسين بسرد تأملاته المدهشة، عن واقع المعتقلين خلال فترة السجن وما بعدها، وفي قلب السرد تتخلّق لغته، طازجة، حارة، تحمل فلسفة التسامح، ومنطق الانتقال إلى العدالة الاجتماعية، فما يحرّكه ليست نزّعة الانتقام من السّجان، بل هي الرغبة في الحراك الجماعي ضد الطغيان، في أكثر وجوهه بشاعة: أحوال الطوارئ، الاختفاء القسّري، التعذيب، الأحكام العرّفية، وحرمان السجين من حق الدفاع عن النفس، ومن حقوقه المدنية، إنه يكتب: “ضد السجن السياسي، كما ضد السياسة التي تسّجن”، يكتب من أجل مستقبل العدالة في سوريا، وكتابه يكتسب المزيد من الأهمية مع مرور الزمن، وبلوغ عدد السجناء في أقبية النظام السوري، ما يزيد عن ربع مليون، لا أحد يعلم شيئا عن مصيرهم.

تهامة الجندي

المستقبل، ملحق ن”وافذ” 31 أيار 2015. على الرابط

الكتاب: “بالخلاص، يا شباب! 16 عاماً في السجون السورية”، 224 ص، قطع متوسط.، المؤلف : ياسين الحاج صالح، الناشر: دار الساقي، بيروت/ 2012

Advertisements